بحث في الموقع

انضم للقائمة البريدية

البريد الإلكتروني:

عدد زوار الموقع

تصفح لموقع حتى الان : 23713175 زائر

 

صناعة النفط والغاز في العراق.. الاتجاهات الحالية والمستقبلية للفترة 2000-2020

                    
newsimg
تأليف: نبيل جعفر رضا  -  أمجد صباح عبد العالي
الملخص

لقد زادت أهمية الغاز الطبيعي بوصفه مصدراً أحفورياً للطاقة؛ نظراً إلى ما يتسم به من خصائص اقتصادية وبيئية، إذ يدخل كمادة أولية في الصناعات البتروكيماوية والأسمدة، ما يزيد القيمة المضافة لاستثماره، بالإضافة إلى نسبة الملوثات المنخفضة عند احتراقه، ما أدى إلى الاهتمام به في ظل التوجه العالمي نحو تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون. والغاز الطبيعي قادر على الإسهام في تأمين الطاقة على المستوى العالمي، وذلك من خلال استخدامه في توليد الطاقة الكهربائية بكفاءة عالية. لذا، زاد الطلب العالمي عليه في السنوات الأخيرة، ولاسيما في ظل ارتفاع معدلات احتياطياته العالمية وإنتاجه.

وأدى تقدم تكنولوجيا صناعة الغاز الطبيعي إلى زيادة أهميته بين مصادر الطاقة التقليدية، من خلال تقنية غاز النفط المسال (LPG)، التي تُعَدُّ تقنية أولية لصناعة الغاز الطبيعي، ثم التكنولوجيا التي عملت على توفير إمكانية نقل الغاز الطبيعي من خلال تسييله (LNG)؛ لتسهيل عملية تصديره إلى الأسواق البعيدة، التي يصعب مدّ شبكات خطوط الأنابيب إليها، وأخيراً تكنولوجيا تحويله إلى سوائل (GTL).

إن تلك التطورات الاقتصادية والتكنولوجية للغاز الطبيعي غائبة عن الاقتصاد العراقي؛ إذ تأخر استثمار الغاز الطبيعي لعقود عدة نتيجة للأوضاع الاستثنائية التي مرّ بها العراق؛ ما جعل صناعة الغاز الطبيعي في العراق تتسم بالتخلف، علماً بأن الاستكشافات التي تحققت في العقود الماضية أثبتت وجود احتياطيات كبيرة للغاز الطبيعي تشكّل نسبة مهمة من مجموع الاحتياطي العالمي من الغاز الطبيعي.

تعود أهمية هذه الدراسة إلى توافر الغاز الطبيعي في العراق بكميات منافسة، ما يعزز من أهمية تطويره؛ والعامل الجديد المتمثل في دور العقود الاستثمارية التي وقّعتها وزارة النفط العراقية من خلال جولات التراخيص الثلاث في تطوير إنتاج النفط، وما سيرافقه من إنتاج غاز طبيعي مصاحب، ثم توقيع عقود لاستثمار حقول الغاز الطبيعي الحر. وبناءً على ذلك، فإن الدراسة تهدف إلى تقييم العقود الاستثمارية لتطوير إنتاج النفط والغاز الطبيعي؛ لتقديم رؤية عن مستقبل صناعة الغاز الطبيعي في ظل التطورات التكنولوجية التي ستشهدها هذه الصناعة.

لقد أثّرت الأوضاع السياسية غير المستقرة التي مر بها العراق طوال العقود الثلاثة الماضية بدرجة كبيرة في صناعة الغاز الطبيعي؛ إذ توقف تطور هذه الصناعة بصورة شبه تامة، فتضـررت البنية التحتية ومنشآت الغاز الطبيعي التي تمت إقامتها بتكاليف مرتفعة جداً في سبعينيات القرن الماضي، إلى درجة توقفها عن العمل سنوات طويلة، واقتصارها على بعض المنتجات الأساسية؛ ما أدى إلى أن يقوم العراق بحرق كميات كبيرة جداً من الغاز الطبيعي، وأن يتصدر المراتب العالمية في ذلك، وأصبح غير قادر تماماً على تصديره. وبذلك أصبحت صناعة الغاز الطبيعي في العراق متخلفة تكنولوجياً، ومن جهة أخرى برزت مجموعة من العوائق التي تقف حائلاً أمام أي جهود حكومية رامية إلى تطوير صناعة الغاز الطبيعي بعد عام 2003.

تم اكتشاف الغاز الطبيعي عند عمليات البحث عن النفط في العراق، ولكن لم يتم استثماره لعدم توافر التكنولوجيا اللازمة؛ ما أدى إلى إغلاق العديد من حقوله التي تم اكتشافها. وعند البدء بإنتاج النفط عام 1934 كان الغاز الطبيعي المصاحب يتم هدره حرقاً. وفي أواخر الستينيات من القرن الماضي تم استثمار جزء من الغاز المصاحب في حقول كركوك النفطية لإنشاء مشـروع استخلاص الكبريت وغاز النفط المسال ليسوَّق إلى معمل التاجي، بغرض استخدامه للاستهلاك المنزلي والصناعي. بعد ذلك تم إنشاء شـركتين لاستثمار الغاز الطبيعي المصاحب، هما: شـركة غاز الشمال، وشـركة غاز الجنوب، ووضعت وزارة النفط خططاً طموحة لمضاعفة طاقات تصنيع الغاز الطبيعي لاستثمار الغاز المصاحب وتسويقه إلى المصانع ومحطات توليد الطاقة الكهربائية. إلا أن تلك الخطط توقفت بصورة شبه تامة في سبتمبر 1980، بسبب نشوب الحرب العراقية-الإيرانية، التي استمرت إلى أغسطس 1988. وانصبّت الجهود بعد توقف الحرب على إعادة إعمار وتشغيل شـركتي غاز الجنوب وغاز الشمال بدلاً من تطويرهما.

بدأت بعد ذلك صفحة أخرى عند احتلال دولة الكويت، وتعرض منشآت ومرافق الغاز الطبيعي للتدمير خلال الحرب في يناير 1991، ليتم إثرها فرض الحصار الاقتصادي الذي استمر لمدة 13 عاماً، إلى حين شن الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على العراق في مارس 2003. وبذلك دخلت صناعة النفط والغاز الطبيعي مرحلة جديدة من المعاناة بعد سلسلة من عمليات التدمير والتخريب تسببت في أضـرار جسيمة. وبسبب تلك الأوضاع غير المستقرة توقف التطوير التكنولوجي لصناعة النفط والغاز الطبيعي خلال العقدين الماضيين من خلال تدمير البنية التحتية نتيجة للحروب والعقوبات الدولية والاضطرابات الداخلية، ومن ثم كانت الاستثمارات المخصصة للمحافظة على تطور صناعة الغاز الطبيعي منخفضة جداً خلال تلك المدة.

تعاني صناعة الغاز الطبيعي في العراق مجموعة كبيرة من العوائق، أبرزها قِدم التكنولوجيا التي تستخدمها منشآت صناعة الغاز الطبيعي، ما أدى إلى خلق مشكلات عدة في الإنتاج والمعالجة وبمواصفات الغاز المسوّق، والعجز عن توفير الطاقة الكهربائية اللازمة؛ وقِدم خطوط الأنابيب الناقلة للغاز الطبيعي ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى تسـرّب الغاز المسوّق وحدوث حرائق عدة؛ فضلاً عن مشكلات الفساد المالي والإداري؛ كما أن عدم الاستقرار الأمني يفضي في كثير من الأحيان إلى حدوث اعتداءات على المنشآت النفطية وخطوط الأنابيب، ما يؤدي إلى توقف الضخ لمدة طويلة وإلى خسائر كبيرة.

وقد عمدت وزارة النفط من أجل تطوير إنتاجها من النفط إلى توقيع عقد الخدمة الفنية مع الشـركات الأجنبية، من خلال جولتي التراخيص الأولى والثانية اللتين سيكون فيهما حجم الإنتاج من النفط يصل إلى مستوى قياسـي عام 2017، وستقوم الشـركات الأجنبية باستخدام الغاز الطبيعي المصاحب للعمليات النفطية وفق القوانين العراقية الخاصة بالحفاظ على الثروة الهيدروكربونية. ومن أجل استغلال حقول الغاز الطبيعي الحر غير المستثمرة وقّعت وزارة النفط عقوداً مع شـركات أجنبية في جولة التراخيص الثالثة لاستغلال حقل السيبة في البصـرة وحقل المنصورية في محافظة ديالى، وأخيراً حقل عكاس في محافظة الأنبار. ولغرض تطوير حجم الاحتياطي من النفط والغاز الطبيعي فقد لجأت وزارة النفط إلى عقد جولة التراخيص الرابعة (جولة الرقع الاستكشافية)، وركزت خلالها على الرقع الاستكشافية للغاز الطبيعي.

إن جولتي التراخيص الأولى والثانية ستؤديان إلى زيادة كميات الغاز الطبيعي المصاحب، التي سيتمّ حرقها، فوفق قانون "صيانة الثروة النفطية والمواد الهيدروكربوينة الطبيعية"، فإن استخدام الغاز الطبيعي في العمليات النفطية سيكون لإعادة حقنه في الآبار النفطية التي قلّ ضغطها المكمني فقط، ولكن يلاحظ أن عملية إعادة الحقن تُستخدم بصورة قليلة جداً في الآبار النفطية بسبب مخاطرها ويستخدم بدلاً منها الحقن بالماء، ما يعني ارتفاع كميات الغاز الطبيعي المصاحب، التي سيتمّ حرقها، لأن الشـركات الأجنبية غير معنية وفق "عقد الخدمة الفنية" بمعالجة الغاز الطبيعي المصاحب لإنتاج النفط.

وإن تأسيس شـركة غاز البصـرة BGC سيعمل على تلبية الاحتياجات المحلية من الغاز الطبيعي السائل والغاز الجاف اللازم لمحطات الطاقة الكهربائية لتوليد الطاقة، بالإضافة إلى إنشاء مشـروع لتسييل الغاز الطبيعي العائم في البحر، الذي سيمكّن العراق وللمرة الأولى من تصدير الغاز الطبيعي بشكل مسال إلى الأسواق العالمية.

وتوصي الدراسة بالعمل بصورة جادة على تحقيق الاستقرارين: الأمني والسياسـي، إذ إن أي مستثمر أجنبي ومهما وُضعتْ من قوانين وتشـريعات لتسهيل عمله ودخول استثماراته، فإنه يهتم كثيراً بالأوضاع الأمنية والسياسية للبلد، وعليه لابد للحكومة من أن تعمل جاهدة على توفير عنصـر الأمن الذي يُعَدُّ شـرطاً أساسياً لدخول الاستثمارات الأجنبية، ثم لابد من تهيئة المناخ الاستثماري، إذ يحتاج العراق إلى جهود كبيرة في مجال إصلاح السياسات الاستثمارية وإرساء قواعد البيئة التشـريعية والقانونية، وتحديد الفرص الاستثمارية ذات الأهمية الكبيرة لجذب الاستثمارات الوطنية والأجنبية على حدٍّ سواء. ولعل انضمام العراق إلى الوكالة الدولية لضمان الاستثمار MIGA يمثل خطوة أساسية في اتجاه جذب الاستثمارات، إذ تقوم تلك الوكالة بتقديم خدمة ضمان المخاطر السياسية، بهدف تيسير تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشـر إلى الاقتصادات المتحولة إلى اقتصاد السوق، كما تقدم تلك الوكالة خدمات أخرى مكمّلة من خلال إدارة خدمات تسويق الاستثمار وخدمة الدعم الفني لبناء القدرات وتعميق المعرفة من خلال البرامج التدريبية والتنسيق مع المؤسسات الدولية والإقليمية، وهذا ما يحتاج إليه العراق في ظل الظروف الراهنة.

كما توصي الدراسة بالعمل على معالجة الفساد الإداري والمالي وتفعيل المساءلة والانضباط بين موظفي الدولة العاملين داخل الأجهزة الحكومية في القطاع النفطي، بهدف إتمام تنفيذ الأعمال التي تمت إحالتها إلى الشـركات الأجنبية والمتعاقدين الأجانب بالصورة المطلوبة وبكفاءة عالية. فمعالجة مشكلات الفساد والبيروقراطية الإدارية لابد من أن تُعَدَّ أولوية رئيسية، فهي تشكل عقبة أمام تدفق الاستثمارات الأجنبية وتحدُّ من إمكانية دخول الشـركات ذات الخبرة العالمية من جهة أخرى، فضلاً عن ضـرورة تعزيز الشفافية ومعالجة بيروقراطية القطاع العام لتكون ميسـرة لإنجاز الأعمال لا العكس، وتوفير البيانات والمعلومات وتفعيل دور هيئات الرقابة على الجهات الحكومية المختصة بالتعامل مع المستثمرين الأجانب، ويمكن الاستعانة بالأطراف الدولية، بهدف المساعدة وتقديم المشورة؛ مثل: البنك الدولي، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، ومنظمة الشفافية العالمية، وغيرها.

وتؤكد الدراسة أهمية العمل على جذب الاستثمارات الأجنبية إلى قطاع الصناعات اللاحقة، إذ إن كميات الغاز الطبيعي الضخمة التي سيقوم العراق بإنتاجها في ظل جولات التراخيص تتطلب من الحكومة القيام بإنشاء مصانع للبتروكيماويات والأسمدة وتحديث القائم منها، والعمل على استثمار الغاز المنتج لتلبية الطلب المحلي من مختلف المنتجات، والعمل على وضع الخطط اللازمة لتصدير الفائض من الإنتاج إلى الخارج من خلال الاستفادة من رخص سعر الغاز اللقيم، وبالأخص الغاز الطبيعي المصاحب. ويمكن للعراق، فيما لو تحسن الوضع الأمني وانخفضت مؤشـرات الفساد فيه، أن يستقطب الشـركات العالمية التي تطمح إلى أن تستثمر في الصناعات اللاحقة لإنتاج الغاز الطبيعي التي تشكل عامل جذب قوياً لها.

وتعتبر الدراسة أن أمام صادرات الغاز الطبيعي العراقي مستقبلاً واعداً، إذ يمكن العمل على تشجيع مشروعات تصدير الغاز الطبيعي إلى دولة الكويت عن طريق إعادة تأهيل الخط القديم، الذي كان يصدّر الغاز الطبيعي إليها، ثم إلى المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة عن طريق الربط مع مشـروع "دولفين" الخليجي. ومن جهة أخرى، العمل في الوقت نفسه على الربط مع مشـروع خط الغاز العربي بسبب الطلب على الغاز الطبيعي المنتج في العراق من قبل كل من: الأردن وسوريا ومصـر ولبنان، وأخيراً مع تركيا. ولابد للعراق من أن يضع الخطط المستقبلية الكفيلة بإيصال الغاز الطبيعي العراقي إلى أوروبا عن طريق خط نابوكو، وذلك لكونها مستهلكاً رئيسياً له.

وتدعو الدراسة إلى الاستفادة من تجارب دول "مجلس التعاون لدول الخليج العربية" في التعامل مع الشـركات الأجنبية التي تستثمر في القطاع النفطي، ومحاولة تبنّي القوانين والتشـريعات التي سنّتها، ودراسة العقود التي أبرمتها ومدى ملاءمتها مع صناعة النفط والغاز الطبيعي في العراق، وخاصة التجربة القطرية في تطوير صناعة الغاز الطبيعي، التي تمكّنت من احتلال مراتب عالمية متقدمة في إنتاج الغاز الطبيعي وتصديره، في الوقت الذي يتمتع فيه العراق بميزة نسبية على قطر في تصدير الغاز الطبيعي عن طريق الأنابيب من خلال الربط مع شبكات التصدير العربية القائمة، وهو ما سيوفر الوقت ورأس المال اللازمين. 


التعليقات

      اسمك              
   بريدك الأليكتروني