آخر الاخبار |
عمل غير مكتمل ... إستراتيجية أمريكية جديدة للمضي قدماً نحو التعامل مع شؤون العراق - الجزء الثالث
عمل غير مكتمل ... إستراتيجية أمريكية جديدة للمضي قدماً نحو التعامل مع شؤون العراق - الجزء الثالث
UNFINISHED BUSINESS:
An American Strategy for
Iraq Moving Forward
December 2011
The Saban Center at Brookings
الحكم والاقتصاد
لَم يعد احدى المصالح الحيوية الأمريكية، توجيه الجهد العام لإعادة بناء اقتصاد العراق والجهاز الحكومي، فقد انتقل التقدّم في الحكمِ والاقتصاد بشكل كبير مِنْ كونه الشّيء الذي طلبته الولايات المتّحدةَ من العراقيين فعله من اجل المصالح الأمريكية، إلى الشّيء الذي يحتاجه العراقيون من مساعدةً أمريكية من اجل مصالح العراقيين، وأحد أسباب ذلك هو الأداء الحكومي والاقتصادي الأفضل وهو ألان ذلك الشيء الذي يحتاجه القادة العراقيين من اجل الحفاظ على قوتهم و شرعيتهم الخاصة.
يعتمد تعزيز استقرار، العراق ديمقراطي بشكل خاص على تطورِ الحكومة الشرعية والفعّالة، وتطور الاقتصاد الذي يمنح الفرص ويوفر سبل الرزق لشباب العراق. وسيقوم معياران وهما الأكثر حساسية بعد الأمن الأساسي، بالحكم على النظام السياسي، من خلال توفير الخدمات الأساسية خاصة الكهرباء و زيادة فرص العمل.
• إن الحكم الأساسي والتحدي الاقتصادي في العراق هو تحسين كفاءةَ وشفافية العمليات التي تحول عملية بيع برميل مِن النفطِ إلى سلع وخدمات التي يرغب بها الشعب العراقي— مثل تحسين قطاع الكهرباء ، الماء و شبكة الصرف الصحي، والنظام الصحي، وفرص العمل.
• لذا يجب ان تكون المساعدة الأمريكية الاقتصادية والحكم مشروطة بان تأخذ السلطات العراقية على عاتقها الإشراف والمراقبة على الآليات التي تهدف الى تحديد الفساد وعزل تأثيره على اقتصاد العراق النفطي.
سيكون التحدي المركزي في هذه المنطقة هو توافق التوقّعات الأمريكية والعراقية حول المساعدات الأمريكية في المستقبل وإيجاد طرقِ مبتكرة لاستعمال SFA وأي مساعدة يرغب الكونجرس والإدارة بتوفرها عند هبوط المصادر بشكل حاد. ستحتاج الولايات المتحدة لان تكون صريحة مع الحكومة العراقية في أنها لا تَستطيعُ توقّع مشروع مارشال جديد للعراق وان واشنطن ستكون قادرة فقط على تهيئة بعض المساهمات المالية الإضافية لإعادة بناء العراق، بشكل محدود.
• لحسن الحظ، هناك مناطق رئيسية في الاقتصاد العراقيِ مثل دعم الدبلوماسية ألأمريكية، المساعدة التقنية، خدمات استشارية وتقنية ونقل المعرفة حيث من شان ذلك ان يعطي منافع سياسية واقتصادية لحكومة العراق الجديدة. ويجب على كل ذلك ان يستعمل كقوة دفع لشفافية اكبر في حكم العراق.
أهداف وتأثيرات
لم يتم ضمان المصالح ألأمريكية في العراق بعد، ولذا من المحتمل ان تبقى الولايات المتّحدة منهمكة في العراق لسنوات قادمة. وربما هدأ التأثير الأمريكي هناك، لَكنَّه لم ينتهي. في الحقيقة، تبقى الولايات المتّحدة أحد اكبر الممثلين المؤثرين في العراق، بالرغم من أن ذلك التأثير سيبقى فقط حين تتعلم واشنطن أَن تستخدمَه بشكل اكثر مهارة.
حذر الرئيس اوباما بقوله “ لم نرى نهاية للتضحيات الأمريكية في العراق" وشدد بأنّه يُريدُ جَلْب حرب العراق إلى" "نهاية مسؤولة. ”. إنّ الحقيقةَ المتباينة الصعبةَ هي مسؤولة الخروج الأمريكي مِنْ العراق والذي يجب ان يكون كل شي لم يكن عليه الاحتلال الأمريكي الغير ممنهج عام 2003. ربما تراجعت الولايات المتّحدة عن العمليات القتالية، لَكنَّها لم تعرف لحد ألان بشكل كامل إستراتيجية لانجاز الشراكة الطويلة المدى مَع العراق والتي يُمْكِنُ أَنْ تخدمَ المصالح أمريكيةَ الرئيسيةَ وتُساعد على ديمقراطيةَ العراق الجديدة و تَتفادى بها الانزلاق الى الحرب الأهلية. وسيتطلب هذا، تحت بَعْض الظروفِ وبالتوافق مع العراق، سيتطلب ارتباطا أمريكيَا شاملا مَع العراق و لعدّة سَنَوات. لكن تحت ظروف اخرى، يجب على أمريكا ان تكون مستعدة للمغادرة ببساطة إذا قرر القادة العراقيين اخذ خطواتَ عدائيةَ مباشرة ضد المصالح الأمريكية واستقرار بلادهم. في هذه الأثناء، تبقى الولايات المتحدة الداعم الرئيسي لحكومةِ وجيشِ العراق، وهناك تشكيلة واسعة من المنافع الدبلوماسيِة والاقتصادية والتقنيِة، بالاضافة الى الأمنية والتي يرغب العراق فيها بشراكة الطويلة الأمد مع القوة العظمى الوحيدة في العالم. علاوة على ذلك، لم تعد الحالة في العراق هي الشغل الشاغل للسياسة الداخلية الأمريكية كما كانت من قبل، لكنها في نفس الوقت تعطي الإدارة المستقبلية المجال الأكبر لاختبار الشرطية في العلاقة بين العراق و الولايات المتحدة. وما هو مطلوب ألان، هو خطة براغماتية مدروسة بعناية من اجل استخدام مصادر التأثير تلك في السعي الى تفنيد ألأفضلية القصوى لمجموعة الأهداف الأساسية، هذا هو جوهر الشراكة — هي خدمة مصالح كلا الطرفين.
المستقبل المجهول للعراق
دفعت الولايات المتحدة بعد خطواتها المتعثرة في 2003-2006 العراق الى حرب طائفية التي هدّدت باستنزاف عموم البلاد، وأشارت سلسلة التغييرات عادة من خلال اختصار "الاندفاع" الى استقرار البلاد وسحب العراق مِن حافة الهاوية. حيث أعطيت الأولوية لأعمال التصفية الأخرى للإستراتيجية ووسائلِ التكتيك الأمريكيةِ، ونضوج قوّات ألأمن العراقية، وظهور قيادةِ عراقيةِ راغبةِ باتخاذ إجراءات جريئة على أسس أمنية ومن ثمّ تمَكّينَ القوات الأمريكية والعراقية لمَلْئ فراغِ الأمنَ ذلك الذي سبّبَ النزاعِ المميت، وكْسرُ شوكة المليشيات وجلب أمنَ حقيقيَ لعموم البلاد.
أنتجت التحسنات الواضحة في امن العراق بين 2007- 2009 تغيرات مهمة، لكن التغييراتَ في سياسة العراق ما زالت ناقصة، حيث ان الديمقراطية بشكلها الأولي قد تحطمت. فيجب على القادة العراقيين ان يتحركوا ويتفقوا من اجل حصد الأصوات مِن الناخبين، ومِن أعضاءِ البرلمان، وحتى مِن أعضاء الوزارة ضمن الحكومة نفسها. أنها تجربة محبطة بالنسبة لأسياد الحرب البارزين و الثوريين وشيوخ القبائل و رجال الدين، لكنهم ما زالوا يتعلمون. بالاضافة إلى التركيبَ المحفّزَ الجديدَ الذي قدمته الديمقراطية إلى السياسةِ العراقيةِ، لكن بغداد قد شهدت ايضا ظهور سياسيين عراقيين اكثر تقليدية واقل تنورا، وتنافس الاختلافات العشائرية والدينية والعرقية مع ضغوط الديمقراطية. وتبقى الكاريزما و العداوات الشخصية من العوامل الحاسمةَ في الاتجاه السياسي للبلادِ، ويبقى الخوف، مؤامرات، وممارسات دستورية شائع جدا.
لسوء الحظ، بينما تحسنت الحالة الأمنية، فقدت الولايات المتّحدةُ فرصا مهمة لدعم وتَعجيل نمو سياسة العراق. كان جزء من هدف "الإندفاع" هو خلق متنفس للفئاتِ العراقيةِ من اجل مخاطبة النزاعات الأكثر إلحاحا والتي تَستمرُّ في كونها مصدرا لدَيمومة التوتر و تهديد الاستقرار على المدى الطويل. ويقصد ايضا تَغيير حافز قادة العراق، بتجريدهم من أداة العنف، وإعطاء الشعب العراقي القدرة على المطالبة بتغييرات ايجابية بدون خوف. وجزئياً لأن الولايات المتّحدةَ لم تحمل أقدام زعماءِ العراق إلى النار، وكذلك لأن الولايات المتّحدةُ دفعت بنفس الوقت لفعل أشياء خاطئة. واستطاع الكثيرين ان يدعموا تمسكهم الضيق بالقوة، ومراوغة الإصلاحات السياسيةَ الرئيسيةَ وإعاقة التحول الديمقراطي.
أما اليوم، فان للولايات المتّحدة قوة دفع اقل من اجل الإصلاح، لأن واشنطن وَضعَت ألأولويات ألأمنية فوق التغير السياسي وأعطت القادة العراقيين عذرا لدعم الوضع القائم. ومن خلال ذلك، سَمحَت الولايات المتّحدةُ لإيران ايضا ان تستعيد تأثيرها في العراق بعد ان همّشَ "الإندفاع" تأثيرَ طهران بشكل مؤقت. وكنتيجة لذلك تواصل إيران بحدة لِعب دورا مربكا في العراق من خلال دعم مجموعة كبيرة من مختلف الأطياف السياسية، وتروج لمصالحها بشدة في بغداد عن طريق صنع الطائفية- هيمنة الشيعة-إطار لحكومة جديدة. لذا تهدد طهران بمَحُو التقدّمِ الملموس خلال السنتين الماضيتين خاصة، الأحزاب التي نجحت في الانتخابات والفئات (خارج منطقة كردستان) التي بدأت التحول من الأجندات الطائفية نحو مركزية القومية العراقية في الاستجابة الى المطالب الشعبية التي انطلقت بعد التحسن الأمني. لكن اليوم تلوح تلك الأحزاب نفسها بالطائفية تحت المصاحبة الإيرانية. في هذه الأثناء، يطالب الشعب العراقي بسياسة بعيدة عن الخلافات وأكثر تمثيلية وتجاهل الحكم الفعال.
ولذا، ما زال مستقبل العراق معلقا في الميزان. جعل التحسن الأمني وعناصر الديمقراطية الجديدة التي دخلت في سياسة العراق، من الممكن تخيل نهوض العراق ببطئ، وبناء تدريجي نحو مستقبل أفضل. ويمكن للعراق أَن يَظْهرُ يوماً كبلد ناجح ومستقر، ويكون حتى ذي مجتمع تعدّدي، على خلاف العالم العربي الذي بدا عليه سابقا. لكن، العراق لَيس كذلك لحد الآن، وقد يستغرق سَنوات، ربما حتى عقود، لإدْراك تلك الرؤيةِ، حتى لو كانت جميع المؤسسات الضرورية كذلك.
لكن قد ينزلق العراق بكل سهولة الى وضع أسوأ، ويَحتاجُ العراقيون لتَأسيس حكومة يمكنها أَن تحكم بالفعل و تَتمتّع بالشرعيةِ الواسعةِ بين دوائر الدولة الانتخابية المختلفةَ. يبقى العراق مجتمع معطلا بشكل جدي: فيحتاج بناءه التحتي، تعليم، صحة، اقتصاد، شبكات مياه الصرف الصحي، زراعة، والأنظمة القانونية و الصناعية الى الإصلاح و إعادة التعريف، وكذلك يحتاج الى توجيه مؤسساتي. وبنفس الطريقة، يبقى هناك الكثير من الخلافات الحرجةِ والتي يمكن ان ينتج عنها موجات عنف جديدة.
من القضايا الوحيدة المعروفة هي قانون الهيدروكربونَ، ووضع كركوك وأقاليم متنازع عليها أخرى، بالإضافة إلى العلاقةِ بين الحكومةِ المركزيةِ، المحافظات، وحكومة كردستان الإقليمية.
و تحتاج كُلّ هذه المشاكلِ الى علاج ضروري ، لكن ستتطلب التحديات المعقدة بعيدة الأمد، خليطا من الصبرِ، المهارة، الحظّ، والدعم الخارجي.
يمكن معالجة هذه المشاكل في النهاية، من خلال حكومة عراقية جديدة، تتمتع بالقوة السياسية لعقد التسوياتِ، وبناء المؤسسات، تَرك العقود، توظيف وطرد الموظفين، ووضع القوانين التي أضاعتها الحكومة السابقة. وبدون مثل هذه الحكومةِ، وبدون على الأقل خارطة للتقدّمِ في قضية النزاعات السياسيةِ الرئيسيةِ، سيتمايل العراق في أحسن الأحوال ولفترة طويلة كرجل الخليج المريض، قادر على أَن يكون مرهبا من قبل جيرانه، عاجز عن الدفاع عن نفسه عسكرياً، اقتصاديا، أَو دبلوماسياً)، ومستعملا كساحة حرب ثابتة لأجهزة مخابرات دول الجوار— عملياً كنسخة أكبر من لبنان اليوم. وستسمح وتمكن عيوب الحكومة في أسوأ الأحوال، من إعادة ظهور المليشيا، وادعاء الأحقية في الأرض و السكان و شن الحرب الأهلية - مثل لبنان في أسوا أوقاتها في الثمانينيات او مثل البوسنة في التسعينيات.
يجب على الأمريكان، صُنّاع السياسة، ومدنيين على حدّ سواء، إدراك الاحتمالية الكبيرة لانزلاق العراق في أتون الحرب الأهلية. فهناك العشرات السيناريوهات — من الانقلابات العسكرية، إلى سوءِ تصرف المسؤولين، إلى اغتيال واحد او اثنين من القادة السياسيين — من شانها ان تشعل فتيل العنف. وقد يبدو النزاع مختلفا عن قبل بطريقة ما، ربما إبراز النزاع العربي الكردي، النزاع الشيعي الداخلي، أَو أجزاء مختلفة مِن قوّات الأمن العراقية المتحاربة للسيطرة على الدولة، لَكنَّه لا يَتطلّبُ مخيلة كبيرة لرؤية كيف ان ذلك يمكن ان يحدث ثانية.
يَبْدو ان العديد مِنْ الأمريكان يعتقدون ان التغييراتِ الدائمة صنعت بتحولِ 2007-2009 وجعلت من المستحيل على العراق العودة إلى الحرب المميتة، ولذا حتى الانسحاب الأمريكي المستعجل مِن البلاد لَن يَكُون كارثيَا. ويمكن لهذا ان يترك العراق ضعيفا، وقبيحا لكن هناك العديد مِن البلدان القبيحةِ الضعيفةِ في العالمِ، لكن العراق القبيح و الضعيف لَنْ يَكُون مصدر تهديد للمصالح الأمريكية. وهذه الفكرة خاطئة بشكل خطير لان العراق بالتأكيد يُمْكِن أَنْ يَنزلقَ إلى حرب أهلية شاملةِ التي تعرّضُ المصالح الأمريكيةَ للخطر من خلال تَهديد كُلّ بلدانِ منطقة الخليج الفارسي الأخرى.
مرة اخرى ، فان شكل و ديناميكا تجدّدَ الحربَ الداخليةَ قَد تَختلفُ عن لولبِ العنفِ الطائفيِ للجولة الأولى، و قَد تَستغرقُ بَعْض الوقتِ لكشف التَطَوّراتِ الإيجابيةِ في العراق، لكن خلال شهور أَو لسَنَوات قليلة فقط، قد يجد العراق نفسه منحدرا نحو دوامةِ ويَسحب معه مصالح أمريكا الحيوية.
ترجمة : دار بابل للدراسات والإعلام
24-4-2011