السياسات العامة الحكومية في ظل جائحة كورونا.. مهند العزاوي

السياسات العامة الحكومية في ظل جائحة كورونا.. مهند العزاوي

السياسات العامة الحكومية في ظل جائحة كورونا

مهند العزاوي*

تعتبر السياسات العامة للحكومات مجموعة من النشاطات (القوانين، اللوائح، المراسيم، الخطط، الأفعال، والسلوك) التي تختارها من خلال إدارتها للمجتمعات. وتطور الحكومات السياسات العامة وتصدر سنويا العديد من اللوائح والقوانين والمراسيم عن السلطات التنفيذية ، بالتنسيق مع السلطات التشريعية، وتعقبها مجموعة من التعليمات والإجراءات المفسرة والموضحة من قبل الإدارات التنفيذية.

والسياسة العامة تمثل الدائرة المركزية التي تهم المواطن من النظام والمجتمع (صحة، إسكان، تعليم، غذاء، طرقات، مواصلات، أمن، رفاه اقتصادي و اجتماعي) وبما أن الحكومات تمتلك السلطة التنفيذية على الأفراد والمجتمعات، ومخولة رسميا وقانونيا بإدارة شؤونهم ، فإنها تضع السياسات العامة التي تتناول أفعالها وتصرفاتها ودوافعها، وتشمل امتناعها عن فعل أشياء في حالات معينة.

ويشكل عامل الصدمة تحولا جوهريا في صنع السياسات العامة الحكومية، لاسيما المرحلة الأولى المتمثلة برد الفعل السريع ، وهي بمثابة حرب تستهدف إرادة الدول والمجتمعات ، لاسيما ان قرارات الازمة او تحت تأثير النار في الحرب تكون مستعجلة ، وفيها نسبة الصواب مرتجلة ونسبة الخطأ واردة ، وهناك نماذج متعددة في التعامل مع جائحة كورونا حقق البعض منها نجاحات نسبية والأخر فشل فشلا ذريعا .

مفهوم السياسة العامة

تعرفُ السياسةُ العامة في اللغةِ الإنجليزيّة بِمُصطلح ( (Public policyوهو نظامٍ معينٍ تسعى الحكومة إلى تطبيقه، والتحقق من التزامِ الجميع فيه أفراداً أم مؤسسات، وأيضاً تُعرفُ السياسةُ العامة بأنها برنامجُ عملٍ حكوميّ يحتوي على مجموعةٍ من القواعد، والتي تلتزمُ الحكومة بتطبيقها في المجتمع [1]

وقد عرفها “جيمس أندرسن” بأنها (برنامج عمل هادف يعقبه أداء فردي أو جماعي في التصدي لمشكلة أو لمواجهة قضية أو موضوع)، كما عرفها “ديفيد أستن” بأنها (توزيع القيم في المجتمع بطريقة سلطوية آمرة, من خلال القرارات والأنشطة الإلزامية في إطار عملية تفاعلية بين المدخلات والمخرجات والتغذية العكسية)

مستويات السياسات العامة

  1. السياسات العامة الاستخراجية :كل نظام سياسي لكي يقوم بوظائفه المعروفة يلزمه موارد تختلف حسب المجتمعات، فلا بد من إيجاد موارد للنظام خاصة المالية منها، وفي هذا الصدد يلزم الحكومة وضع سياسة عامة توصف بالإستراتيجية وتعبر عن تعبئة الموارد المادية والبشرية مثل ( رصد المال ، السلع ، الأشخاص ، الخدمات ..). [2]
  2. السياسات العامة التوزيعية: وتتناول توزيع الخدمات والمنافع والقيم لفئات وشرائح المجتمع والأفراد والتعاونيات والجماعات.
  3. السياسات العامة لإعادة التوزيع :كإعادة النظر في دخل فئة معينة من المجتمع أو قطاع ما
  4. السياسة العامة الرمزية : يكون تأثيرها معنويا فهي تخص باهتمام واسع لدى الحكومات مثل ما يحدث من خلال عرض التاريخ السياسي مثلا من بطولات وأمجاد ومفاخر وطنية تكون بمثابة الدافع لأبناء الوطن من أجل الدفاع والرفع من روحهم الوطنية.
  5. السياسات العامة التنظيمية: تفرض قيودا أو محددات على سلوك الأفراد والجماعات أي أنها تحد من حرية تصرف الجهات الخاضعة للسيطرة والضبط، فالسياسة التوزيعية تقيد التصرف أما التنظيمية فتزيد عليها بالنسبة للمتأثرين أو المتعاملين معها.
  6. السياسات العامة الطارئة : وتلك السياسات تصنع في وقت الطوارئ وبمثابة سياسات متممة للسياسات العامة وتعالج المتغيرات وتأثيرات المفاجأة او الصدمة

 عامل الصدمة

يشكل عامل الصدمة تحولا جوهريا في صنع السياسات العامة الحكومية، لاسيما المرحلة الأولى المتمثلة برد الفعل السريع ، وهي بمثابة حرب تستهدف إرادة الدول والمجتمعات ، لاسيما ان قرارات الازمة او تحت تأثير النار في الحرب تكون مستعجلة ، وفيها نسبة الصواب مرتجلة ونسبة الخطأ واردة ، وهناك نماذج متعددة في التعامل مع جائحة كورونا حقق البعض منها نجاحات نسبية والأخر فشل فشلا ذريعا .

وقد يرى البعض ان هناك مبالغة في وصفها (حرب) لكن لو قورنت بمستوى الضحايا والتأثير والاثر سنجد انها اقسى من الحرب ، خصوصا ان صنع الصدمة يأتي من نتاج تخطيط محكم ، وليس صدفة ، أي يعني قد جرى دراسة بيئة الصدمة بشكل دقيق ، وتم وضع مخرجاتها بما يلائم ردود فعل البيئة ، ويحرص صانع الازمة ضمن سياق الصدمة على احياء عوامل التشويش والاضطراب واخفاء المعلومات ، ونشر سيل معلومات غير متوازنة عنها بغية اجبار أطراف الصدمة على اتخاذ قرارات خاطئة.

واحيانا قد لا تواكب السياسات العامة المعدة في زمن ما قبل الصدمة ضرورات معالجة الازمة ، اذ من الضروري الاخذ بنظر الاعتبار سياق التعامل مع عامل الصدمة والمفاجأة ، واتخاذ إجراءات ما بعد الصدمة بشكل متوازن ، بعيدا عن تأثيرات الصدمة المقلقة ،ومراعاة تحديث قاعدة البيانات وفقا للتطورات الحالية

وهناك دول تفقد السيطرة اثناء الصدمة بينما أخرى تنجح في اتخاذ القرارات السليمة ، وهذا يعتمد بالدرجة الأولى على مرونة متخذ القرار ، وعقليته وفهمه لطبيعة الازمة ، من خلال خبرته وهدوئه المعتمد على سياق القيادة الإبداعية ، وأيضا يتسق مع استجابة المؤسسات الحكومية للإجراءات غير التقليدية المتخذة ، ويلعب عامل الوقت دورا حيويا في صنع سياسات حكومية ملائمة مرنة ، اذ يجري فيها اعتماد مبدا انتاج المعلومات السريع، وتداخل وحرق المراحل التنفيذية ، مع مراعاة قبول نسبة ما من الخطأ ، نظرا لقلة او عدم دقة المعلومات المتوفرة عن مؤشر الازمة السببي .

تباين السياسات وجائحة كورنا

تضع الدولة السياسات الحكومية وتقرها ، وتعززها بإجراءات لمعالجة الازمات والكوارث والاوبئة ، ضمن سياق افتراضي قريب للواقعية ، ويعده فريق صنع السياسات، وبلا شك ان عامل الصدمة والمفاجأة يخلق مساحة بين اخراج السياسة وواقع التنفيذ ، مما يتطلب انتاج سياسات متممة لمعالجة الازمات، وهنا عندما نتكلم عن أزمات وليس ازمة ، لان الدولة عندما تتعرض الى جائحة تنتج عنها أزمات متعددة تتعلق بالأمور الصحية والطبية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية في آن واحد

وعندما ننظر الى سياق تعامل الدول في التصدي لجائحة كورونا (  كوفيد19 ) ، ونجد ان هناك سياسات مختلفة اتبعتها الدول ومتباينة ، وترك البعض منها اثار سلبية تمخض عنها ارقام مرتفعة من الضحايا البشرية ، فضلا عن اثار اقتصادية ومالية ومجتمعية يصعب معالجتها لسنوات ، وقد شكك البعض من الخبراء بعقيدة العولمة ويصفها بالفشل المروع نظرا للسياق القطري في معالجة الوباء، وقد فشلت دول الاتحاد الأوربي في التصدي الشامل للجائحة ، وقلل بعض الخبراء من اهمية الذكاء الاصطناعي في معالجة الازمة والاستشراف القريب ، نظرا لغياب الوعي التفاعلي البشري الذي يتعامل مع الاستشراف بطرق متعددة ، وليس بطريقة الخوارزميات الحاسوبية التي يؤمنها الذكاء الاصطناعي .

وقد اعتمدت بعض الدول في سياساتها الحكومية على  تجارب سابقة ، على سبيل المثال اتباع سياسة (مناعة القطيع) المكلفة بشريا ، دون الاخذ بنظر الاعتبار ان الوباء الذي سبب الجائحة لايزال في منطقة الارتياب ( اللايقين) ، مما يتطلب طرح سياسات تعتمد مدخلات الوباء ومعلومات حديثة عنه ، وتأثيره المباشر وغير المباشر ، فضلا عن الاثر الذي يتركه صحيا ، وانعكاساته على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية ، ولايزال الوباء لم يصل ذروته حسب تصريحات منظمة الصحة العالمية .

 – يتبعه سلسلة مقالات لاحقة عن السياسات الحكومية في ظل جائحة كورنا كوفيد 19

*خبير استراتيجي متخصص في تدريب السياسات العامة الحكومية

الإثنين‏، 22‏ حزيران‏، 2020

 

 

[1] . مقتطفات من الأدوات والأساليب المتقدمة في صياغة السياسات العامة.

اعداد وتنفيذ الدكتور مهند العزاوي

 

[2] . المصدر نفسه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.