الرئيسية / Middle east / الحرب المركبة  في الشرق الاوسط…. الدكتور مهند العزاوي

الحرب المركبة  في الشرق الاوسط…. الدكتور مهند العزاوي

الحرب المركبة  في الشرق الاوسط

الدكتور مهند العزاوي *

تعد القوة  سمة كل العصور وأحد عناصر التحولات الهامة في السياسية الدولية , وتتختلف اشكالها من جيل لاخر ومن عصر لاخر حسب طبيعة الصراعات وحيازة القوة وتنوع الازمات وتعقيداتها , يؤكد الخبراء ان القوة هي العامل الاساسي للديمومة والتفوق والتاثير , وهناك حكمة واقعية تقول ( من لم تكن لديه القدرة الذاتية للدفاع عن نفسه سوف لن يكون هناك من يحتل موقعه للدفاع عنه)  ونشهد اليوم عودة القطبين الولايات المتحدة الامريكية وروسيا الاتحادية  في اشتباك وتفاعل القوة الدولية  , مما ترك اثر معقد في الواقع السياسي الدولي  فضلا عن وجود قوى اخرى فاعلة تختلف نسبيا في موازين القوى والتأثير , ونلاحظ اشتباك القطبين في مواقع ورقع استراتيجية متعددة وتتقاطع نسبيا في مواقع اخرى وفقا للمنهجية الواقعية في مسارح الاشتباك لاسيما ان الشرق الاوسط هو المجال الحيوي الدولي المتنافس عليه من كلا القطبين باستخدام كافة اشكال القوة  ومزجها لتحقيق الاهداف الحيوية والاستراتيجية , مما يوحي للمتتبع  والمحلل السياسي اننا امام “حرب القطبين الدافئة”  التي تستخدم فيها تجزأة الموارد العسكرية النظامية لاسناد الموارد الغير نظامية في استراتيجية “مزج القوة المعاصر” لتحقيق اهداف متداخلة ذات مديات متعددة وقد اطلقنا عليها  مصطلح (الحرب المركبة)[1]

تعريف القوة  

يعرف علم الإجتماع القوة “بالقدرةعلى إحداث أمر معين” و”تأثير فرد أو جماعة عن طريق ما على سلوك الآخرين”، يعتبرموضوع القوة من المواضيع التي يهتم بها علم الجغرافية السياسية والعلاقات الدولية , يقول “رأي كارل فريدريك” إن أفضل تعريف للقوة هي القدرة على إنشاء علاقة تبعية فعند القول أن لإنسان ما قوة سياسية تفوق قوى الآخرين، فهذا يعني أن الآخرين يتبعون نظام أفضلياته، والقوة ليست مجرد التسلط ولكنها تتضمن أيضاً القدرة على الإستمالة والنفوذ لدى الآخرين، ويرى أنه بالاسـتخدام الماهر والذكي للقوة يمكن للطـرف (أ) أن يجعل الطـرف (ب) يفعل ما يريد دون قهـر أو إرغام , بمعنى يمكن تحويل القهـر إلى إتفاق وتزامن كنفـوذ جماعات الضـغط في المجتمعات المتحضرة , ويرى “سبيكمان”  أن القوة تعني البقاء على قيد الحياة والقدرة على فرض إرادة الشخص على الآخرين والمقدرة على إملاء هذه الإرادة على أولئك الذين لا قوة لهم وإمكانية إجبار الآخرين ذوي القوة الأقل على تقديم تنازلات , ويرى كل من “ميكافيلي ” على أن القوة هي الوسيلة والغاية النهاية التي تعمل الدولة للوصول إليها في مجال العلاقات الدولية.[2]

ينقسم مصطلح القوة إلى ثلاثة عناصر تحليلية: فالقوة تضم:

  1. الأفعال (acts) للتاثير على الدول الأخرى
  2. الموارد (ressources) لإنجاح عملية التأثير
  3. الاستجابة (responses) أو ردود الفعل على أعمال الدول الأخرى.

مصادر القوة

إذا قلنا أن القوة هي القدرة على التأثير على الآخرين، وأنالمجتمع أو الدولة القوية هما القادران على التأثير على الآخرين ويعمل الآخرون منالدول والمجتمعات لها حساباً. فلابد أن تكون لهذه الدولة مقومات تضطر المجتمعاتوالدول الأخرى للخضوع لها فما هي مصادر القوة عند هذه الدولة القوية أو ذلك المجتمع المؤثر؟ , وهناك شبه إجماع بين مفكري الجغرافيا السياسية أن مصادر القوة  التي تحدد قيمة الدولة من الناحية السياسية يمكن إبرازها في ثلاثة عوامل هي[3] :

1ـالعوامل الطبيعية .

2ـ العوامل الاقتصادية .

3ـ العوامل البشرية .

ويرى فريق اخر ان قوة الدولة تكمن في خمسة عوامل تشكل منهجاً يقوم بتحليل هذه العوامل باعتبارها معادلة القوة الشاملة للدولة وهي :

1ـ العامل الجغرافي

2ـالعامل الاقتصادي

3ـ العامل السياسي

4ـ العامل النفسي

5ـ العامل العسكري

كما يرى بعض مفكري العلاقات الدولية وعلى رأسهم “هانز مورجانثو” أن القوة الشاملة للدولة يعبر عنها من خلال تسعة عناصر هي :

1ـ العامل الجغرافي .

2ـ الموارد الطبيعية.

3ـ الطاقة الصناعية.

4ـ الاستعداد العسكري.

5ـ السكان .

6ـ الشخصية القومية .

7ـ الروح المعنوية .

8ـ نوعيةالدبلوماسية .

9ـ نوعية الحكم .

اشتباك قطبي  للصراع

في قراة تاريخية للخلف لقد شكلت الولايات المتحدة الامريكية مطلع التسعينيات القطب الاوحد عالميا من حيث القوة والهيمنة والتاثير , وذهبت لتقنين القوة وفق فلسفة “الجيش الذكي” الذي يمزج بين القدرات العسكرية والخبرات المدنية اطلق عليها في مطلع عام 1992  بعد حرب الخليج الاولى “خصخصة القوة”, بينما انسحبت روسيا إلى حد كبير من الشرق الأوسط في ذلك الوقت، لكنّ بوتين سعى لاحقاً إلى عكس هذا الاتجاه في عام 2007 وحرص على تطبيق “استراتيجية التواجد” لتحقيق “سياسة الوصول الناعم”  والتاثير في الشرق الاوسط عبر وكلاء اقليمين جرى تعزيز قدراتهم الحربية ليشكلوا عناصر تاثير عسكري مركب في الشرق الاوسط , وقد استكمل استراتيجيته باستخدم القوة الخشنة النظامية وشبه النظامية  في اوكرانيا 2014 التي تجدها روسيا مجالها الحيوي ، وقد وافق مجلس الاتحاد الروسي بالإجماع على طلب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين استخدام القوات الروسية في أوكرانيا, ويعد هذا  التطور في شكل القوة المستخدمة التي تمزج بين القوة النظامية الساندة والقوة الغير نظامية الفاعلة بداية التحول في فن الحرب المعاصر من الحرب النظامية الى  “الحرب المركبة” , وفي هذا الوقت كان الرئيس الامريكي السابق ” باراك اوباما”  قد اتخذ قرار  انتهاج” استراتيجية الانعطافة” نحو اسيا تاركا خلفه الشرق الاوسط يغرق في فوضى الصراعات الدموية الافقية , وتمدد التنظيمات الارهابية وتناسل وانشطار المليشيات ضمن معادلة “الاغراق الحربي للشرق الاوسط ” مما برر للرئيس الروسي اتخاذ قرار التدخل عسكريا في سوريا بتاريخ 30 سبتمبر 2015    واستكمال استراتيجية التواجد وسياسة الوصول الخشن الى المياه الدافئة في ظل تراجع الولايات المتحدة الامريكية عن الشرق الاوسط  , وبذلك تمكن بوتن من تامين التواجد العسكري المباشر والحيوي في الشرق الاوسط , ليدشن عودة القطبين من جديد  بالرغم من تفاوت القدرات العسكرية النظامية نسبيا , وتفوقها من جانب اخر من خلال الحيازة الفائقة للقوة الغير نظامية المكتسبة لروسيا , فضلا عن مقدرة روسيا على صناعة الاحداث التي يتمخض عنها تاثير مباشر يقود للتغير في الجغرافيا السياسية للشرق الاوسط .

اضحى من الصعب التكهن  بمستقبل الشرق الاوسط وشكل التحولات الحربية القادمة في ظل الاستخدام الخشن للقوة المركبة , فضلا عن عسكرة المجتمعات وتهجير الشعوب في مسارح الصراع الحربي , وارتفاع المعاناة الانسانية من جراء الاشتباك والتماس السياسي عبر استخدام  القوة باشكالها المتعددة , لاسيما تراجع دور الدولة ودورها في معالجة التهديدات والتصدي للمخاطر المباشرة واتخاذ قرار الحسم عبر موارد الدولة .

* خبير عسكري باحث في فن الحروب المعاصرة

[1] . انظر مهند العزاوي , ظاهرة الحرب المركبة , موقع مركز صقر للدراسات والبحوث الاستراتيجية , قسم الاستراتيجيات العسكرية وفن الحرب , 2015, http://saqrcenter.net/?p=214

[2] . هيئة البحوث العسكرية ، حساب القوة الشاملة ، القاهرة ، إدارة المطبوعات والنشر للقوات المسلحة، 1990م , صفحة علوم سياسية وعلاقات دولية

[3] . المصدر نفسه

عن admin

مركز صقر للدراسات والبحوث الاستراتيجية
تأسس في اذار 2004 في العراق في بغداد
حاليا يعمل وفق للسياق الالكتروني الذكي
المركز مؤسّسة بحثية مستقلة ، يُعنى بتداول ونشر الدراسات والبحوث والعلوم الاستراتيجية ، ويعمل على قياس تأثيراتها وفق مؤشرات الكم والنوع والاثر على كافة المستويات الدولية والمؤسساتية ، وباستخدام المخرجات الاكاديمية والحرفية البحثية المنتهجة في البحث العلمي لتقديم الرؤى وطرح البدائل والخيارات في جانب الاستشارات ورسم السياسات ، بما يدعم عمليات صنع القرارات ، ويقوم الباحثون في المركز بإجراء سلسله من الأبحاث والدراسات الاستراتيجية بما يتعلق بالتفكير والتحليل والتخطيط والاستنتاج والادارة الاستراتيجية وينفرد المركز بكون رئيسه المنظر الاول عالميا في مجال حوكمة مؤسسة الدولة والتي تختلف عن حوكمة الشركات المشاعة , ويقدم المركز خبراته وقدراته للمعنيين وذوي الرغبة في التعاقد والاستشارات وكذلك طلبة الدراسات بكافة تخصصاتها

شاهد أيضاً

معهد واشنطن – مكافحة انتشار الصواريخ الإيرانية في اليمن

المرصد السياسي 2889 مكافحة انتشار الصواريخ الإيرانية في اليمن مايكل نايتس متاح أيضاً في English …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *