الرئيسية / الحوكمة / رأس المال الإجتماعي

رأس المال الإجتماعي

رأس المال الاجتماعي

كثيراً ما يُثار أن رأس المال الاجتماعي هو أكثر صور رأس المال غموضاً, ربَما لأنه يتعلق في الأساس بقيمة غير منظورة أو ملموسة, في حين تتعلق الصور الأخرى لرأس المال بظواهر يمكن تمييزها وقياسها بسهولة وبشكل ملموس, فرأس المال المادي “Physical capital([i]) يندرج في إطاره ثلاثة أصناف فرعية وهي رأس المال الطبيعي(الأرض المياه , موارد الطاقة , المعادن…), ورأس المال المالي (أرصدة مالية ونقدية للاستهلاك والادخار …)؛ ورأس المال الإنتاجي(معدات, آلات, موارد مادية وعينية…)([ii]), وهذا النوع من رأس المال هو الصورة الأكثر تجسَداً من صور رأس المال إذ أنه ينطوي على عناصر يمكن تمييزها وقياسها بسهولة .

أما رأس المال البشري فيشار به إلى مجموع الخبرات والمعارف والطاقات والحماس والإبداع والصفات التي يمتلكها العاملون في الشركة ويستثمرونها في العمل, فهو يشمل كل المهارات الفنية والتكنولوجية والشهادات والدرجات العلمية وكل مقدرة تمكن الأفراد ـ من خلال استخدامها وتطويرها ـ من تحقيق مكاسب مادية أو أدبية, وفي هذا يكون رأس المال البشري ـ كما هو واضح ـ أقل في ماديته من رأس المال المادي([iii]), أما فيما يتعلق برأس المال الاجتماعي فهو يعد أقل صور رأس المال تجسَداً, إذ يشير إلى مجموعة العلاقات والروابط الاجتماعية التي تنمو في إطار شبكة اجتماعية معينة تحكمها عدد من القيم والمعايير كالثقة والاحترام المتبادل والالتزام والتعاون وهذه كلها قيم مجردة يصعب قياسها كميا, كما يصعب تمييزها بشكل دقيق ([iv]), وهو الأمر الذي جعل البعض يعتبر مفهوم رأس المال الاجتماعي بأنه مفهوم غامض جداً حتى وصل بأحدهم أن شبهه بـ”الكلمات المتقاطعة”, في حين نظر إليه آخرون باعتباره “علاجاً لجميع المشكلات”([v]).

وينطوي مفهوم رأس المال الاجتماعي على شقين رئيسيين: جانب رأس المال والجانب الاجتماعي, فرأس المال يشير أساساً إلى أن رأس المال الاجتماعي يتكون من خلال التراكم عبر فترات طويلة من الزمن, ومن هنا فمن الصعب تخيل أن يتكون رأس المال الاجتماعي بصورة وقتية أو سريعة لخدمة موقف مفاجئ أو حالة عارضة, ويشير الجانب الاجتماعي إلى حقيقة بديهية مؤداها أن رأس المال الاجتماعي لا يكون فردا بذاته   ـ كما هو الحال في رأس المال المادي أو البشري ـ وإنما يتكون في إطار جماعة اجتماعية يرتضي الأفراد الانضمام لها من أجل استغلال ما توفره العضوية في هذه الجماعة من مزايا ورصيد اجتماعي([vi]) .

وجدير بالذكر هنا أن الدارسون المهتمون برأس المال الاجتماعي يختلفون حول الفترة الزمنية التي ظهر فيها هذا المفهوم, ففي الوقت الذي يعتقد بعضهم أن الجذور الأولى للمفهوم تعود إلى كتابات “توكفيل Tocquveill”                                                                                                      عن الديمقراطية في الولايات المتحدة في القرن التاسع عشر حين أشار”توكفيل”إلى الترابط الاجتماعي ونزوع المواطنين إلى المشاركة في الحياة العامة, فإن آخرين يعتقدون أن البداية الحقيقية تعود إلى كتابات هانيفان (Hanifain) في 1916م, والتي ربطت بين رأس المال الاجتماعي وبين ممارسات اجتماعية محددة([vii])، وقد نظر”هانيفان” إلى رأس المال الاجتماعي على أنه الأصول المعنوية التي تحسب في الحياة اليومية للناس والتي تضم “حسن النية, والزمالة, والتعاطف, الاتصال الاجتماعي بين الأفراد والعائلات والذين يشكلون وحدة اجتماعية, والمجتمع الريفي الذي يكون مركزه المنطقي في المدرسة” ([viii]) .

وقد شهد المفهوم مرحلة من الأفول بعد “هانيفان“, إلا أنه عاود إلى الظهور مجدداً على الساحة الأكاديمية منذ عقدي الستينات من القرن الماضي من خلال كتابات “جان كالوب” و “لوري جيرمين” إلا أنه من الثابت أن المفهوم لم يحظ باهتمام على نطاق واسع إلا في أواخر السبعينات مع ظهور كتابات المفكر الفرنسي “بيير بورديوBourdieu” والذي عرف رأس المال الاجتماعي بأنه “مجموعة الموارد الممكنة التي تتوافر للشخص بفضل حيازة شبكة من العلاقات الاجتماعية المتبادلة والمُمأسسة، وتعضد من مصالحه ومن رصيد القوة والهيبة لديه”([ix])، وقد اعتبر “بورديو” أن رأس المال الاجتماعي لا يعدو إلا أن يكون شكل واحد من أشكال رأس المال(الاقتصادي, الثقافي, الاجتماعي، والرمزي). وبعد “بورديو” جاءت كتابات “جيمس كولمان”                   خلال الثمانينات عن رأس المال الاجتماعي في إطار محاولته للربط بين الظواهر الاجتماعية والتقدم الاقتصادي في سياق نظرية “الاختيار الرشيدRational choice” المعروفة لدارسي الاقتصاد([x])، وقد ذكر “كولمان” أن رأس المال الاجتماعي “يعرف بوظيفته على أنه ليس كياناً واحداً ولكنه مجموعة متنوعة من مختلف الكيانات مع وجود عنصرين مشتركين, إنها جميعا تتألف من بعض جوانب البنى الإجتماعية وتسهل أفعال معينة للجهات الفاعلة سواء أكانوا أشخاصا أو شركات ـ داخل البنى”([xi]), وبحسب”كولمان” يختلف رأس المال الاجتماعي عن صور رأس المال الأخرى لأنه “لا يوجد في الأشخاص ولا في الواقع المادي وإنما في العلاقات الاجتماعية بين الأفراد وإمكان الحصول على المعلومات والمنافع” ([xii])

وبالانتقال إلى “روبرت بوتنام” وأعماله نجد أن بداية استخدام بوتنام لرأس المال الاجتماعي جاء في كتابه “جعل الديمقراطية تنجح” 1993م, وفيه نظر بوتنام لرأس المال الاجتماعي على أنه “يجسد مقومات التنظيم الاجتماعي والتي تتمثل في الثقة والتعاون والتشبيك”Networking” والتي يمكن من خلالها الإسهام في تحقيق التطور والتقدم داخل المجتمع سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات أو المؤسسات”([xiii]), وفي عام 2000م ذكر بوتنام في كتابه“لعب البولنج المنفرد” أن” رأس المال الاجتماعي يشير إلى الروابط بين الأفراد والشبكات الاجتماعية ومعايير المعاملة بالمثل والجدارة بالثقة التي تنجم عنها, وفي هذا المعني يرتبط رأس المال الاجتماعي ارتباطا وثيقا مما سماه الفضيلة المدنية“([xiv]), ويقول هنا بوتنام أن “الجماعة التي يكون أعضاؤها جديرين بالثقة ويضعون ثقة بالغة في بعضهم البعض فإنها سوف تكون أكثر قدرة على الإنجاز بالمقارنة مع الجماعات الأخرى التي تفتقر إلى الثقة بين أفرادها”([xv]) .

وفي العموم يتفق الكثير من المراقبين على أن رأس المال الاجتماعي يعبر عن “الروابط والعلاقات الاجتماعية التي يكوَنها وينضم إليها مجموعة من الأفراد في إطار بناء اجتماعي لخدمة أهدافهم المشتركة, ووفقا لهذا التعريف, ينطوي رأس المال الاجتماعي على العناصر والمكونات الآتية:([xvi])

  • بناء اجتماعي يمتد من الأسرة ليشمل جماعات الجيرة والأصدقاء والنوادي وما يطلق عليه المساعدة الذاتية Self-help, كما يضم مؤسسات المجتمع المدني والمؤسسات بكافة صورها وأحجامها .
  • مجموعة من الروابط والعلاقات الاجتماعية التي تتكون في إطار هذا البناء, والتي تقوم على مجموعة من المبادئ العامة كالثقة والتبادلية والإلتزام بما تفرضه العضوية في هذه الجماعة من واجبات .
  • فائض من الموارد الفيزيقية والبشرية يمتلكها أفراد الجماعة .
  • الأفراد الذين ارتضوا الإنضمام طواعية إلى هذا البناء الاجتماعي, شريطة أن يتوفر في الأفراد الرغبة في التعاون مع بعضهم البعض لتحقيق استفادة متبادلة فيما بينهم, بما يمكنهم من الاستفادة بالشكل الأمثل من الموارد التي توفرها الجماعة .
  • مجموعة من الأهداف التي يسعى أعضاء الجماعة إلى تحقيقها, وقد ترتبط الأهداف بالجماعة ذاتها أو بالمجتمع الأوسع .

[i]– إنجي محمد عبد الحميد, دور المجتمع المدني في تكوين رأس المال الإجتماعي – دراسة حالة للجمعيات الأهلية في مصر- سلسلة أبحاث ودراسات, العدد الأول, القاهرة, المركز المصري للحقوق الإقتصادي والإجتماعي2010م , ص 18

[ii]-اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا،UNDP,التنمية البشرية المستدامة ومنهج الاقتصاد الكلي,مرجع سابق ص10-11

[iii]– إنجي محمد عبد الحميد, دور المجتمع المدني في تكوين رأس المال الإجتماعي، مرجع سابق، ص 19 .

[iv]المرجع نفسه، ص 19

[v]– نادية أبو زاهر, محاولة لهم إشكالية رأس المال الاجتماعي, مجلة علوم إنسانية, العدد 46, السنة الثامنة2010م, ص 01

[vi]– إنجي محمد عبد الحميد، دور المجتمع المدني في تكوين رأس المال الإجتماعي, مرجع سابق ص 19

[vii]المرجع نفسه،  ص 16

[viii]– نادية أبو زاهر, محاولة لهم إشكالية رأس المال الاجتماعي, مرجع سابق ص 03

[ix]– عزت حجازي, رأس المال الاجتماعي كأداة تحليلية في العلوم الاجتماعية القومية, المجلد الثالث والأربعون, العدد الأول, يناير, 2006م ص 05

[x]– إنجي محمد عبد الحميد, دور المجتمع المدني في تكوين رأس المال الإجتماعي، مرجع سابق ص 17

[xi]– نادية أبو زاهر, محاولة لهم إشكالية رأس المال الاجتماعي, مرجع سابق ص 06

[xii]– عزت حجازي, رأس المال الاجتماعي كأداة تحليلية في العلوم الاجتماعية القومية، مرجع سابق ص 06 .

[xiii]– روبرت بوتنام, كيف تنجح الديمقراطية, تقاليد المجتمع المدني في إيطاليا الحديثة, ترجمة إيناس عفت, الجمعية المصرية لنشر المعرفة والثقافة العالمية, القاهرة, 2006م , ص 210

[xiv]– نادية أبو زاهر, محاولة لهم إشكالية رأس المال الاجتماعي, مرجع سابق ص 08 .

[xv] – روبرت بوتنام, كيف تنجح الديمقراطية, مرجع سابق ص 215 – 219

[xvi]– إنجي محمد عبد الحميد, دور المجتمع المدني في تكوين رأس المال الإجتماعي، مرجع سابق, ص 24

زبيري رمضان أستاذ مساعد أ  مقتطفات من بحث منشور “مسؤولية رأس المال الاجتماعي تجاه تحقيق تنمية بشرية مستدامة”                  

 

عن admin

مركز صقر للدراسات والبحوث الاستراتيجية تأسس في اذار 2004 في العراق في بغداد حاليا يعمل وفق للسياق الالكتروني الذكي المركز مؤسّسة بحثية مستقلة ، يُعنى بتداول ونشر الدراسات والبحوث والعلوم الاستراتيجية ، ويعمل على قياس تأثيراتها وفق مؤشرات الكم والنوع والاثر على كافة المستويات الدولية والمؤسساتية ، وباستخدام المخرجات الاكاديمية والحرفية البحثية المنتهجة في البحث العلمي لتقديم الرؤى وطرح البدائل والخيارات في جانب الاستشارات ورسم السياسات ، بما يدعم عمليات صنع القرارات ، ويقوم الباحثون في المركز بإجراء سلسله من الأبحاث والدراسات الاستراتيجية بما يتعلق بالتفكير والتحليل والتخطيط والاستنتاج والادارة الاستراتيجية وينفرد المركز بكون رئيسه المنظر الاول عالميا في مجال حوكمة مؤسسة الدولة والتي تختلف عن حوكمة الشركات المشاعة , ويقدم المركز خبراته وقدراته للمعنيين وذوي الرغبة في التعاقد والاستشارات وكذلك طلبة الدراسات بكافة تخصصاتها

شاهد أيضاً

المتابعة والتقييم: رؤية مفاهيمية

المتابعة والتقييم: رؤية مفاهيمية يقول برنارد شو “الشخص الوَحيد الذي أعرف أنَّه يَتصرّف بعَقلٍ هو …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *