تقدير موقف – قواعد اللعبة الامريكية وخيارات الرد الإيراني

قواعد اللعبة الامريكية وخيارات الرد الإيراني

تقدير موقف

قواعد اللعبة الامريكية وخيارات الرد الإيراني

صقر للدراسات

‏06‏ كانون الثاني‏، 2020

‏7:38 م

تخطت بوصلة الاحداث في الشرق الاوسط مرحلة الاحتكاك غير المباشر بين الولايات المتحدة ، وايران ، الى التماس المباشر لاسيما بعد الضربة الجوية التي استهدفت قائد فيلق القدس الإيراني، قاسم سليماني ، بالقرب من مطار بغداد، فجر الجمعة 3-1-2020. وذكرت وسائل اعلام أمريكية ان قرار الضربة قد اتخذ في اعلى المستويات ، بعد ان ناقش الرئيس “دونالد ترامب” مع فريقه طبيعة ومستوى التهديدات الحالية والوشيكة التي من المحتمل يتعرض لها الجيش الامريكي وفقا لتقارير الاستخبارات

ان دراسة الاحداث والوقائع والمؤشرات تعطينا مخرجات محتملة لما قد يحدث، في ظل البراغماتية للطرفين، والحسابات الدقيقة المرتبطة بالرهانات الاستراتيجية، فضلا عن البدائل الممكنة لتخفيف التصعيد ، والاتجاهات المقترحة نحو رسم مرحلة جديدة اطارها اتفاق جديد محتمل .

الموقف العام

تعرضت الادارة الامريكية للأنتقاد في ظل عدم الرد بالمثل على الضربات الموجهة لها ولحلفائها من قبل المليشيات الموالية لإيران ، ولم تسجل المؤشرات العسكرية سوى عمل عسكري امريكي وحيد، استهدف كتائب حزب الله العراقي في ديسمبر الماضي، بعد ضرب القاعدة الامريكية في كي 1 بثلاثين صاروخ ، قتل على اثرها متعاقد امريكي ، وجاء لاحقا العمل الاستباقي بتصفية قائد فيلق القدس قاسم سليماني وفريقه العسكري بالقرب من مطار بغداد، فجر الجمعة الماضية، وعلى اثرها صعد الرئيس الأمريكي من لغة التهديد وحدد 52 هدفا كردا على تصريح نقلته وكالة “تسنيم للأنباء” عن قيادي كبير بالحرس الثوري قوله “إن إيران ستعاقب الأمريكيين أينما كانوا على مرماها ردا على مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس” وأثار الجنرال غلام علي أبو حمزة قائد الحرس في إقليم كرمان الجنوبي إمكانية شن هجمات على سفن في الخليج.

ويجري الاحتدام الإيراني الأمريكي على ارض العراق الذي اصبح مسرح حربا بالوكالة، ومنذ أكتوبر 2019 خرج العراقيون بتظاهرات شعبية واسعة ، رافضين أداء النظام السياسي ، والفساد والفشل المزمن، وعسكرة المجتمع العراقي، والنفوذ الإيراني ، وقد جوبهت تلك التظاهرات بالقمع والاغتيالات والاعتقالات من قبل الطرف الثالث الذي يشير له المتظاهرون ، وتزامنت مع اندلاع الاحتجاجات الإيرانية في 15 نوفمبر 2019 على زيادة سعر البنزين، وتم انهائها باستخدام القوة ، وجميع تلك العوامل والاضطرابات جعلت من قائد فيلق القدس الإيراني يتنقل بين لبنان والعراق لإنهاء تلك التظاهرات ومحاولة تصدير الازمة لمؤامرة خارجية .

تغيير قواعد اللعبة

تعرضت قوات الولايات المتحدة في العراق الى استهداف ممنهج من قبل المليشيات العراقية بأوامر من فيلق القدس بالرغم من شرعية وجودها وبموافقة الحكومة العراقية ، ونستعرض المجريات :

  • توعد الرئيس الأميركي دونالد ترامب باستهداف نحو 52 موقعا إيرانيا، “بعضها على أعلى مستوى من الأهمية، لإيران والثقافة الإيرانية”، مشيرا إلى أن الضربات ستكون “سريعة جدا، وقوية جدا” على حد وصفه ، مما يشير الى تغير قواعد اللعبة في الشرق الاوسط
  • استهدفت الولايات المتحدة بضربة جوية  قائد فيلق القدس الإيراني قاسم سليماني بالقرب من مطار بغداد فجر الجمعة 3-1-2020 ومعه اربع قيادات عسكرية من الحرس الثوري ونائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس واخر من الحشد .
  • كانت في حوزة الولايات المتحدة تقارير استخبارية ومعلومات مؤكدة مفادها أن سليماني كان يخطط لأعمال عنف أكبر بكثير تستهدف دبلوماسيين وعسكريين أمريكيين “. وأوضح رئيس أركان الجيش الأميركي “مارك ميلي” الجمعة “خطر عدم التحرك كان أكبر من خطر التحرك” وذلك حسب مكالمة مسترقة تؤكد مسؤولية سليماني عن حادث اقتحام السفارة وفقا لما ذكرته مجله الدفاع الامريكية Israelis: Soleimani Intercept Sparked Drone Strike; US Reinforces Region
  • تعرضت السفارة الامريكية بالمنطقة الخضراء المحصنة الى اقتحام باحتها الخارجية في 31-12-2019 من قبل فصائل الحشد الشعبي العراقي  وتخللها شعارات مناوئة للولايات المتحدة الامريكية ، وتهديدات باقتحام السفارة وتحويلها مقرا للحشد الشعبي ، مما اثار مخاوف أمريكية من تكرار سيناريو اقتحام السفارة الامريكية في ايران 1979
  • نفذت الولايات المتحدة غارة جوية في العراق وسوريا بقصف جوي على عدة معسكرات تابعة لمليشيات الحشد الشعبي وكتائب حزب الله في سوريا والعراق في يوم 29 ديسمبر2019، بعدتعرض القوات الامريكية لأكثر من عشر هجمات صاروخية ، نفذتها المليشيات العراقية التابعة، لفيلق القدس الإيراني ، على مواقع متعددة في ،وسط ،وشمال ، وغرب ، وشرق العراق
  • علقت امس الولايات المتحدة الامريكية وحلف الناتو مهام التدريب للقوات العراقية ، وعبر الناتو عن قلقه من نشاط ايران الصاروخي والنووي .

 

رد الفعل الإيراني

تعرضت ايران الى صدمة كبيرة بفقدان قائد فيلق القدس قاسم سليماني ، في ظل أزمات سياسية واقتصادية معقدة تمس مصير النظام على اثر العقوبات الامريكية ، وقد صعد النظام الإيراني من وتيرة العمليات العسكرية غير المباشرة ضد الولايات المتحدة وحلفائها ، منذ مايو الماضي ، لكسب الوقت واطالة امد المفاوضات غير المجدية ، حتى يتم تغيير الإدارة الامريكية الحالية ، ونستعرض المجريات :

  1. أعلنت إيران اليوم عن الخطوة الخامسة في إطار سياسة خفض التزاماتها المتعلقة بالاتفاق النووي كرد على مقتل قائد فيلق القدس ، مع تحذيرات روسية وأوربية بعدم المساس بالاتفاق ، وجرى تشييع كبير لقائد فيلق القدس ونائب رئيس هياة الحشد الشعبي العراقي “أبو مهدي المهندس” في ايران ، ورافق التشيع ، هتافات ، وتصريحات بالانتقام من الولايات المتحدة.
  2. اتهمت الولايات المتحدة الامريكية ايران، بالوقوف خلف حادث اقتحام السفارة الامريكية في بغداد ، بدلالة حضور قادة الفصائل الولائية لإيران ، وكتابة اسم قاسم سليماني على جدار السفارة .
  3. تعاني ايران من اضطراب خارطة النفوذ ، في العراق ، ولبنان ، وتعاظم السخط الشعبي في البلدين ضد الهيمنة الإيرانية ، فضلا عن تداعيات الاحتجاجات الإيرانية على اثر رفع سعر البترول ، ومما جعل قائد فيلق القدس الإيراني يتنقل بشكل مباشرة الى دول النفوذ واجراء عدة لقاءات في لبنان وسوريا والعراق الذي قتل فيها .
  4. تلقت ايران خبر مقتل قائد فيلق القدس الإيراني كالصدمة الاستراتيجية التي قادت الى حزمة تصريحات وتبادل أدوار بين الخارجية والحرس الثوري والجيش الإيراني للتعبير عن انتقام قادم ضد الولايات المتحدة الامريكية .
  5. اعتمدت ايران سياسة كسب الوقت والمماطلة واعتماد العمليات العسكرية اللامتماثلة المؤثرة ضد القوات الامريكية في العراق ومصالحها في دول الخليج ، مما أدى الى تحول استراتيجي في القرار الأمريكي ضدها .

التحليل

  1. يعد توجيه ضربة مميتة لقائد فيلق القدس الإيراني تحولا استراتيجيا في سياسة الرئيس الأمريكي، ويشير الى اعتماد البيت الأبيض سياسة (الحرمان بدلا من الردع) وإجهاض الفعل من خلال تصفية الفاعل الرئيسي، وأيضا حرمان ايران لزخمها العملياتي وتشتيت القوة العسكرية اللامتماثلة بشكل مؤقت
  2. يشير التأهب ورفع جاهزية ونقل القطعات القوات الامريكية في الشرق الأوسط الى تغيير استراتيجي في قواعد اللعبة ،  والقرار على البقاء والتأثير في العراق تحديدا ، لإيقاف التمدد الايراني ، والقبول بمخاطر تكتيكية لدواعي استراتيجية
  3. يشير استهداف قائد فيلق القدس الى استخدام مبدا المباغتة والصدمة ،  مما يؤكد جاهزية القدرات الجوفضائية الامريكية لتنفيذ عمليات اكبر من هذا النوع ، ومن المؤكد تستخدم ضد قادة المليشيات والمقرات والمستودعات في العراق في حالة مهاجمتها
  4. تشير الاحداث الى انتقال الصراع الأمريكي الإيراني من مرحلة التوتر المتوسط الى مرحلة المجابهة والتأثير العسكري المباشر ، مما يعطل شعار المرشد “علي خامنئي” (اللاحرب والا تفاوض) والتحول الى مرحلة اكثر تعقيدا بالنسبة لإيران داخليا وخارجيا، ويضع المرشد امام خيارات عسكرية صعبة قد تمس بالوجود المصيري للنظام
  5. لم يكن قائد فيلق القدس رجل سهل ، بل كان قيادي محافظ متشدد صارم ، وله خصوم ومنافسين داخل النظام السياسي الإيراني ، لاسيما التيار الإصلاحي الباحث عن مخارج سياسية يرفض مساراتها قاسم سليماني والمرشد ، مما يشير الى عودة الخلافات والاضطراب بين رموز التيار المحافظ والاصلاحي، ويؤثر فعليا على مناخ الانتخابات الإيرانية المقبلة .
  6. بالرغم من مقتل قائد فيلق القدس الإيراني وفريقه العسكري، الا ان القوات الوكيلة لفيلق القدس ، لاتزال فاعلة في أماكن نفوذها، ويمكن ان تسدد ضربات وتشن هجمات ضد الولايات المتحدة وحلفائها .
  7. تشير البرغماتية الإيرانية الى استيعاب الضربة الأولى، ولم تقوم برد متهور لحد الان ، لاسيما بعد استلام رسالة من واشنطن، بوساطة سويسرية، تدعوها فيها الولايات المتحدة إلى أن يكون ردها على  مقتل الجنرال قاسم سليماني “متناسبا، ومن المرجح ان ترد عبر القوة الوكيلة في العراق واليمن ضد حلفاء الولايات المتحدة .

خلاصة

  1. أسست الضربة الامريكية لواقع سياسي وعسكري مختلف عن سابقه ، وغيرت  قواعد الاشتباك التقليدية ، ومن المحتمل ان ترد ايران من خلال توسيع نطاق المواجهة العسكرية  في العراق باستخدام القوات الوكيلة ( المليشيات) ، ومن المرجح ان يجري ذلك من خلال شن هجمات صاروخية وطائرات من غير طيار وضربات منفردة وعمليات خطف رهائن ، وفقا للسلوك النمطي لهذه القوات ، ومن المؤكد ان القوات الامريكية متحسبة لذلك .
  2. يشكل فقدان ايران لقائد فيلق القدس ، خسارة عسكرية وسياسية عظمى وجوهرية ، تمس قدرة النظام الإيراني على المناورة المحترفة عسكريا خارج حدودها ، لما كان يتمتع به الجنرال سليماني من خبرة وقدرة وتأثير، ومهما كانت معايير اختيار بديله ، فان من الصعب ان يحل محله بشكل مؤثر وفاعل على الأقل في الأشهر الأولى ، في ظل مخاوف تصاعد الموقف الداخلي والاحتجاجات مجددا، مما يشر الى محدودية الخيارات بالنسبة للمرشد في شكل ونوع الرد على اغتيال سليماني .
  3. يبقى العراق ساحة حرب محتملة لإيران ، ومن المحتمل استخدامه كقاعدة لانطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة
  4. من المحتمل ان تقدم ايران على شن هجمات في مياه الخليج او ضرب مرافق اقتصادية لحلفاء الولايات المتحدة كردا على مقتل قائد فيلق القدس .
  5. يشكل التصعيد النووي الإيراني عامل ضغط يرفضه المجتمع الدولي ويعد خط احمر امريكي قد يصعد من الموقف ويصل لدرجة توجيه ضربات جوية أمريكية للمواقع النووية الإيرانية .
  6. من المحتمل ان تطرح الوساطة الاوربية العاملة على خفض التصعيد ، مسارات حوار وتفاوض جديدة بين الولايات المتحدة وايران ، وفق خارطة طريق تحدد مسارات النووي والبرنامج الصاروخي والنفوذ الإقليمي ، مع الاخذ بنظر الاعتبار محدودية الخيارات العسكرية ، ومخاوف اندلاع الحرب بين الطرفين ، ويعد في الوقت الحاضر شن حرب نظامية امرا مستبعد ، اذ يعني نهاية المكاسب الاستراتيجية للنظام الإيراني في حالة شنها .

 

 

صقر للدراسات

‏06‏ كانون الثاني‏، 2020

‏7:38 م

 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.