تقدير موقف .. اقتحام السفارة الامريكية في بغداد

تقدير موقف .. اقتحام السفارة الامريكية في بغداد

تقدير موقف
اقتحام السفارة الامريكية في بغداد
صقر للدراسات
اقتحم عناصر من المليشيات العراقية الموالية لإيران حرم السفارة الامريكية في بغداد ، ونشر ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، امس الثلاثاء، فيديو يوثق لحظة اقتحام بوابة المنطقة الخضراء في العاصمة العراقية بغداد، من قبل ميليشيات الحشد الشعبي، وذلك في طريقها لشن الهجوم على السفارة الأميركية، ويظهر في الفيديو أفراد من ميليشيات الحشد، بعضهم يرتدون زيا عسكريا، وهم يسعون لفتح بوابة حديدية ضخمة للمدخل الرئيسي للمنطقة الخضراء من جهة الجسر المعلق. ويؤكد أن عملية اختراق المنطقة كانت أمرا يسيرا، إذ لم تتحرك القوات الأمنية بجدية لمواجهة المهاجمين ، وقد جرى اخلاء السفارة الأمريكي بوقت سابق ، بينما شكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء المستقيل عادل عبد المهدي على استجابته في حماية السفارة الامريكية ، وعززت الإدارة الامريكية السفارة الأمريكية بقوة حماية خاصة أرسلت لهذا الغرض
التفاصيل
1. هاجم عناصر ميليشيات الحشد، ولاسيما كتائب “حزب الله العراق” و”منظمة بدر” و”عصائب أهل الحق”، السفارة الأميركية حيث هاجموا المقر واقتحموا الباحة الخارجية في المنطقة الخضراء .
2. قاد المقتحمين، رئيس الحشد الشعبي فالح الفياض ورئيس ميليشيا عصائب أهل الحق، قيس الخزعلي، وميليشيا بدر، هادي العامري، و”كتائب حزب الله” أبو مهدي المهندس، وهي ميليشيات لها تمثيل سياسي في البرلمان العراقي، وتلك المليشيات جزء من منظومة الدولة العراقية وتحظى بدعم مالي وحماية قانونية.
3. عملية اختراق المنطقة الخضراء كان أمرا يسيرا، إذ لم تتحرك القوات الأمنية بجدية لمواجهة المهاجمين وعلى رأسهم فالح الفياض، الذي من المفترض أنه يعمل رسميا في إطار القوات الأمنية العراقية
4. جاء الهجوم على السفارة الأميركية بعد يومين على ضربات أميركية استهدفت مواقع لكتائب حزب الله العراق، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى
5. كانت الضربات الأميركية ردا مباشرا على هجمات صاروخية شنتها كتائب حزب الله على قاعدة “K1” التابعة للجيش العراقي، والتي تستضيف أيضا قوات أميركية تعمل في إطار التحالف الدولي لمحاربة داعش.
6. الحشد الشعبي يأتمر بأوامر رئيس الوزراء القائد العام للقوات المسلحة، لم يستجب لطلب عبد المهدي بالتراجع عن محيط السفارة
7. لم ترد الولايات المتحدة على الحدث ، ولم تستخدم القوة، واكتفت بتصريحات منخفضة منددة بالفعل ،
8. شكر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئيس الوزراء العراقي المستقيل عبد المهدي على الاستجابة ؟ في تغريده له على تويتر (Thank you to the President & Prime Minister of Iraq for their rapid response upon request)
9. أرسلت الولايات المتحدة “قوة المهام البحرية الجوية ذات الأغراض الخاصة” أو قوات “الاستجابة للأزمات” لحماية السفارة، وقد تم تكوينها في عام 2013 بعد حادث مقتل السفير الأميركي كريستوفر ستيفنز في مدينة بنغازي الليبية عام 2012.
10. لم يتفاعل المجتمع الدولي مع الحادث ولم نشهد أي ردود فعل دبلوماسية او تنديد دولي.

التحليل
1. تحاول ايران جر الولايات المتحدة الى صراع غير مباشر عبر قواتها الوكيلة في العراق بما يتلاءم مع العقيدة العسكرية الإيرانية التي تعتمد على عدم الاحتكاك المباشر وخوض حرب مع الدولة القوية واستخدام تكتيكات الحرب اللامتناظرة او الحرب المركبة الأكثر تقدما ضدها .
2. تحاول ايران استخدام العراق مسرح حرب بالوكالة ، وقدد عززت المليشيات الموالية لها بالأسلحة وخزين الصواريخ الميدانية ومنها صواريخ زلزال الذي يصل مداه من 150 -250 كم ويستطيع حمل 900 كغم من المتفجرات ويعمل بالقود الصلب ، وصاروخ الفاتح 110 الذي يصل مداه الى 200 – 260 كم براس متفجر 550 كغم ، والصاروخ ذو الفقار الأكثر حداثة ويبلغ مداه 700 كم براس حربي انشطاري حيث يتم نقل تلك الصواريخ عبر المنافذ الحدودية الشرقية للعراق ( الشلامجة -الشيب- زرباطية ) مما عزز القدرة القتالية لتلك المليشيات وبالفعل استخدمت تلك الصواريخ لضرب القوات الامريكية في قواعدها وبشكل متكرر ومؤثر .
3. ايقنت ايران انها تمتلك المبادأة العسكرية من خلال عدة عوامل منها عدم رغبة الولايات المتحدة خوض أي حرب حتى لو كانت محدودة ، وعدم رغبة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتخاذ أي قرار بالرد العسكري على العمليات العسكرية للحرس الثوري في الخليج ، وقدرة ايران على التحكم والمناورة بالقدرة الوكيلة لها في توجيه ضربات مؤثرة دون إجراءات عقابية من مجلس الامن او الدول المتضررة ، فضلا على الدعم الروسي والصيني والاوربي لها ، وتعاطف الحزب الديمقراطي الأمريكي مع ايران .
4. تستمر سياسة الاحتواء وعدم التصعيد والرد من قبل البيت الأبيض على حادث السفارة بالرغم من ان الحادث يمس بالصورة المعنوية للولايات المتحدة الامريكية ، مقارنة بما حصل في حادث اسقاط طائرة الاستطلاع الامريكية فوق مياه الخليج ولم ترد وفقا لقانون التعامل بالمثل .
5. تشير عبارات الشكر التي قدمها الرئيس الأمريكي الى رئيس الوزراء العراقي عبر تويتر الى عدم رغبة الرئيس الأمريكي في التصعيد والقبول بالأمر الواقع
6. يشكل حادث اقتحام حرم السفارة الامريكية في بغداد تطورا غير مسبوق ، وخرقا للبروتكولات الدبلوماسية الدولية ، ويعد مهاجمة السفارة اعتداء على عناصر خدمة غير عسكريين
7. هناك تشابه واضح للأحداث مع احداث اقتحام السفارة الامريكية في طهرات 1979 ، وان كانت الاحداث مسيطر عليها بحيث لاتصل الى الاقتحام المباشر واخذ الموظفين رهائن كون الطاقم قد جرى اخلائه قبل الاقتحام صباحا ، وكما يبدوا ان هناك معلومات دقيقة تشير للفعل مسبقا .
8. تؤكد الاحداث ان النظام السياسي العراقي نظام ضعيف والدولة العراقية فاقدة للتحكم في الاحداث ، وتبدوا هيمنة المليشيات الموالية لإيران على مقدرات العراق السياسية واضحة ، وهذا يخالف بنود الدستور العراقي المادة (9) الفقرة ب الذي يحضر تكوين المليشيات وقانون تشكيل الأحزاب الذي يحضر على الأحزاب تشكيل جناح عسكري .
9. وصفت بعض وسائل الإعلام العالمي والناطق باللغة العربية عناصر الميليشيات بالمتظاهرين او المحتجين، بينما وصفتهم صحيفة “نيويورك تايمز” الأميركية بالمعزين ، ويشير ذلك الى دعم اعلامي من قبل المحريين في تلك الوسائل للمليشيات ، والتعاطف معهم ، ومحاولة الخلط بين المتظاهرين في ساحة التحرير والمليشيات المهاجمة للسفارة الامريكية
11. عقب فتح بوابة المنطقة الخضراء ، عبر عشرات العناصر بالإضافة إلى مركبات تحمل عناصر ميليشيات الحشد الشعبي إلى المنطقة الخضراء، اذ يعد خرق أمني خطير يهدد سلامة البعثات الدبلوماسية ويؤشر الى عدم مقدرة القوات الأمنية إيقاف المهاجمين ، ويعد تقصيرا من قبل الحكومة العراقية التي لم تتحمل مسؤوليتها في حماية المقرات الدبلوماسية.
10. من المرجح ان تكتفي الولايات المتحدة بتعزيز الحماية على السفارة الامريكية في بغداد ولا تتخذ إجراءات عقابية إضافية ضد المهاجمون .
خلاصة
اصبح العراق بالفعل مسرحا للحرب بالوكالة ضد الولايات المتحدة لصالح ايران ، كون الأخيرة قد عززت من وجودها العسكري بالعراق بعد الحرب على داعش ، وتمكنت من تأسيس وجود سياسي عسكري فاعل بالعراق ، بما يخالف القوانين الدولية والاطار الدستوري العراقي ، وأصبحت بالفعل القوة الوكيلة التابعة لإيران من المليشيات محصنة سياسيا ، ومدرجة ضمن سياق الدعم والحصانة الحكومية تحت مسمى (الحشد الشعبي) الذي هاجمت فصائله امس السفارة الامريكية ويمثل العمل انقلابا ناعما .
وتحاول ايران الخروج من ضغط العقوبات الامريكية باستخدام استراتيجية الاقتراب الغير مباشر ، وتبحث عن (حرب استنزاف ) تديرها عبر فيلق القدس الإيراني والمليشيات التابعة له في العراق ، لاسيما ان قواعد الحرس الثوري الإيراني المنتشرة في العراق وفي الاماكن الحيوية القريبة من قواعد القوات الامريكية ، وبالمقابل لا توجد مؤشرات تشير الى رغبة أمريكية في معاقبة ايران عسكريا او ضرب قواعدها بالعراق وميلشياتها.
وأصبح واضحا ان حادث اقتحام السفارة قد صعد من اسهم قادة المليشيات ( محور المقاومة) بعد ان اتهمهم المتظاهرون بتنفيذ عمليات قتل واعتقالات وخطف للناشطين ، ومنحهم الحادث مبررات استخدام القوة ضد خصومهم ، فضلا عن منح ايران انتصار معنوي توظفه في الداخل الإيراني الغاضب من سوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية وترهل النظام وتبديد أموال ايران على وكلائها المسلحون .

صقر للدراسات:
‏1‏ كانون الثاني‏ 2020
‏1:35:42 م

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.