اثر القدرة الوكيلة Proxy ability في العمليات العسكرية .. مهند العزاوي

استخدام (القدرة الوكيلة Proxy ability) لضرب عصب الاقتصاد العربي

اثر القدرة الوكيلة Proxy ability في العمليات العسكرية
مهند العزاوي*

19-9-2019
يخوض الشرق الأوسط تحولات جيوستراتيجية تلقي بظلالها على مصير ومستقبل الدول العربية، في ظل التحولات الدولية وتغير النظام الدولي ، وتحول أهدافه من إيقاف الحروب والنزاعات الى استثمار تلك الحروب اقتصاديا واطالة امدها ، وكما يبدوا ان المشرق العربي كان اكثر سخونة ، ويبرز في اللوحة الاستراتيجية الاقليمية التفوق الإيراني على مدى ربع قرن ، حيث استثمرت ايران في مجال تطوير القوة النظامية ، وتحويل موارد القوة النخبوية الثورية الى مؤسسات وكيانات فاعلة خارج الحدود بعد حرب الخليج الأولى 1980-1988، وتمكنت تلك القوة من بناء مقومات القدرة الوكيلة ( Proxy ability ) بموارد متعددة الجنسيات وفي مناطق التأثير ، وتمكنت من ترسيخ نموذج “اللبننة” في اربع دول عربية بمساندة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية .
واستثمرت ايران كافة الموارد العربية بشكل ذكي ، بما يتناسب مع مشروع تصدير الثورة وتطلعاتها للهيمنة على المجال الحيوي، ليجعلها قوة إقليمية منفردة بالقرار السياسي والعسكري ، بينما اغفلت الدول العربية المتاخمة لها قيم الصراع وقيمة القوة ، والموارد التي اهدرتها حيث اتجهت الى الصراع الافقي، الذي افاق من سباته بعد دوامة الفوضى (الربيع العربي) الذي كان شتاء قارصا، وقد هدم غالبية قدرات الدول ، كالقوة والقدرة العسكرية ، والكتلة الحيوية البشرية ، حيث أصبحت تلك الدول مفككة ضعيفة متعددة الولاءات ، وغالبية شعوبها ضحايا الحروب بالإنابة بين قتلى ومفقودين ، والقسم الأعظم مشردين ولاجئين في دول العالم .
الإرهاب والجريمة المنظمة والاقتصاد الاسود
دخل المشرق العربي في دوامة التفكيك وحروب الازاحة منذ غزو العراق 2003 ، وانهيار سد التوازن العربي الإقليمي، حيث كان العراق بمثابة صمام الأمان الاستراتيجي للعالم ويجسد الامن والسلم الدوليين، ومن جهة أخرى صمام الأمن الإقليمي ، حيث كان يشكل الرقم الأول في معادلة التوازن الرباعي بين دول الإقليم المتضادة ايران، تركيا، إسرائيل ، وبعد مخاض العراق الملتهب والدموي على مدى ستة عشر عام لم يتمكن العراق من العودة لدوره السابق، ولم تتمكن المنطقة من الحصول على الاستقرار الذي كان ، بل برزت ظواهر الدول الفاشلة ، والكيانات المسلحة الوكيلة ، وتعاظم دور عصابات الجريمة المنظمة ، عبر واجهة السياسيون الفاسدون والشركات والعقود والافساد المنظم ، وأيضا استخدام تكتيك التهجير بشكل واسع والتغيير الديموغرافي ، واندثار الخدمات وحقوق المواطنة في تلك الدول، فضلا عن تعزيز مرجل الإرهاب بهجرة المرتزقة المسلحة المضادة من شرق اسيا الى العراق وسوريا ، ليصبح حوض المتوسط وحوض الطاقة العالمي يرزح تحت حكم التنظيمات الإرهابية المسلحة مع تراجع فعلي لدور القوات المسلحة في دول الاضطراب والحروب المركبة .
حرب دافئة نكتوي بنيرانها
سبق ان كتبت عن الحرب الدافئة وسمتها الحرب المركبة في 2012 وتكلمنا بوضوح عن سمات تلك الحروب، وادواتها وتسلسل تكتيكاتها وتأثيرها المدمر، ونحن نكتب انطلاقا من بيئة التأثير كمسرح متعرض لتلك الظواهر العسكرية ، بينما يكتب عنها الاخرون من وجهة نظر مخططاتهم واهدافهم العسكرية ، وهنا يختلف التفكير والتفسير والتأثير والترويج ، لاسيما ان الاعلام يسوق للطرف الثاني ويحجب الطرف الأول ويمنح تلك الحروب الشرعية ، ويشيطن المتضرر كما شهدناه طيلة ربع قرن ، ولكن لا يمكن الاختلاف على الحقائق والوقائع والاحداث والضحايا والاضرار والكلفة والتأثير التي يضلل نتائجها الاعلام الموجه .
ولو نظرنا بعمق لسياق الحرب الدافئة التي قلنا عنها هي ما بين “الحرب الباردة” التي لاستخدم القوة المسلحة وتعتمد على القوة الناعمة والشبحية ( عمليات المخابرات الخاصة) و”الحرب الساخنة النظامية” التي تعلن وفقا للقانون الدولي عن الهدف وتتمسك بقواعد الاشتباك وتلتزم بالمعاهدات الرسمية الخاصة بالحروب ، بينما “الحرب الدافئة “مجتهدا اسميتها ذلك لكون النيران المشتعلة في حروبها المركبة اللامتوازية نكتوي بنيرانها وهمجيتها ووحشيتها ، بينما يستدفئ الاخرون بنعيم العقود والأموال والاقتصاد الأسود ، الناتج من غياب الدولة وارتفاع مناخ الحرب المركبة الوحشية الفاقدة للقيم الحربية ، وبنفس الوقت تخاض تلك الحروب دون إعلان رسمي باستخدام القوات الوكيلة والكيانات الموازية عن بعد ( Proxy power) ، مما يرفع عنها مسؤولية الالتزام بقوانين الحرب والمسؤولية القانونية، وكما يبدوا ان تلك الحروب اعدت ليس لتدمير الدول والشعوب ضمن مخطط الفناء البشري فحسب ، بل وجدت لتغير أنماط الحرب وتفقد الأسلحة قيمتها ، نظرا لجسامة تكلفة السلاح التقليدي وقلة الكلفة لأسلحة القوى الوكيلة Proxy power .
اذ ان هذه التحولات الحربية قد القت بظلالها على القيم الحربية ، ونظام المعركة ، ودور القوات المسلحة ، وتأثير الدول بعد ان أصبحت المافيات والشركات متحكمة بمسرح الاقتصاد الأسود المغذي لتلك الحروب وتنظيماتها الإرهابية المتعددة .
اثر القدرة الوكيلة Proxy ability
يخوض شمال المشرق العربي حروب إبادة متعددة ، واستخدام حر لكافة الأسلحة والأساليب الوحشية والتكتيكات الحربية الغير متوازية ، وكان جنوبه يترقب ويقف على الحياد ، بانتظار النتائج، ومن الطبيعي ان سياق القوة وتطورها ونجاحها ، يدفع الصانع الى التفكير برقعة أخرى يشغل به منظومته الحربية الجبارة ، وتعد مناورة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” مثيرة للجدل في إعادة تموضع القطعات الاستراتيجية الامريكية بالخليج ، ومزامنتها بالعقوبات على ايران ، حيث تعرض جنوب المشرق العربي المترقب الى حزمة من العمليات المركبة باستخدام القوة الوكيلة ( Proxy power) المتواجدة شمالا وجنوبا في فك كماشة حربية لا متناظرة ، وتجلت بضرب خطوط الاقتصاد الخليجي المغذي لعصب الطاقة العالمية ، وكما يبدوا ان صانع القرار الإيراني قد درس البيئة الدولية والإقليمية ، واستثمر مناخها المتحول وضعف القدرة العربية ، وقرر استخدام (القدرة الوكيلة Proxy ability) لضرب عصب الاقتصاد العربي الخليجي، وكان اخرها ضرب مواقع شركة النفط “أرامكو” السعودية في عملية عسكرية ناجحة نسبيا ، وقد استخدم فيها أسلحة الحرب المركبة الرخيصة التي اعجزت الدفاعات الجوية والمتصديات المكلفة عن ردعها .
وبالرغم من الاحداث الأخيرة تعد فعل عسكري عدواني وفقا للقانون الدولي ، ان ثبت تورط ايران فيها ، الا انه يطرح أسئلة حرجة ذات أجوبة صعبة ( ما مدى كفاءة الأسلحة المليارية مقابل الأسلحة الرخيصة الدولارية ؟؟؟ ) ، وتبقى قواعد الردع فاعلة في كل الازمان ولعل ومن ابرزها هي ( ان القوة جوهر الصراع ، والحرب تتحول وتنتقل من نمط لأخر وفقا للتحول السياسي والاقتصادي ) اذ اصبح من الضروري إعادة الحسابات العسكرية ونظام المعركة وسياقات الحرب لأجل تحقيق الردع المتوازن في عالم متغير بلا قواعد ولا قانون .
*خبير عسكري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.