الشرق الأوسط بين العصا الامريكية والسوط الايراني

الشرق الأوسط بين العصا الامريكية والسوط الايراني
مهند العزاوي*

تنشغل وسائل الاعلام والاوساط السياسية العربية، بالتطورات السياسية والمناورات الحربية الامريكية الإيرانية في مسرح المشرق العربي المتهالك، المتخم بالدول الفاشلة والكيانات الموازية( التنظيمات المسلحة غير النظامية) المدعومة دوليا، فضلا عن رديفتاها التنظيمات الإرهابية بديمغرافيتها الوافدة والمحلية، ناهيك عن مافيات الاقتصاد الاسود الوافدة والمحلية والمعنية بتجارة المخدرات والبشر والسلاح وتبييض الأموال .. الخ، وفي ظل التناقضات السياسية والعسكرية والأمنية والقانونية في مسرح الشرق الاوسط الملتهب تبرز ازمة “الجلوس على الطاولة” بين إدارة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ، الذي يستخدم العصا والجزرة بحرفية عالية، وايران ذات المطاولة السياسية التي تستخدم حافة الهاوية مقابل حافة الحرب الامريكية، وكلا المسلكين متشابهين مع فرق الأدوات المستخدمة، ومن الضروري ان نحلل بعقلانية مارثون الاحداث بعيدا عن صخب الاعلام وضجيج الدعاية وقصص وسائل الاعلام الموجهة .
العصا الامريكية
تستخدم الدول الكبرى مسلك حافة الحرب في الاختلافات السياسية المتعلقة بالنفوذ والمصالح، او عندما يرغب رئيس ما او قائد تحقيق هدف ما او يرى من الضروري اخضاع دولة لسياسته، وشهدنا سلسلة التطورات السياسية تجاه ايران المقرونة بالقرارات المتعلقة بالخنق الاقتصادي للموارد الإيرانية، والحراك السياسي المثابر لوزير الخارجية الأمريكي “مايك بومبيو” وسيل التصريحات الموازية ، فضلا عن حركة الأسلحة الاستراتيجية التي لم تتحرك منذ سنوات الى مياه الخليج العربي وبحر العرب.
وقد ارسلت الولايات المتحدة الأمريكية منظومة صواريخ دفاع جوي من نوع باتريوت وحاملة الطائرات إلى منطقة الشرق الأوسط وسط تصاعد التوتر مع إيران، وستنضم حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس أرلينغتون، التي تحمل على متنها مركبات برمائية وطائرات مقاتلة، إلى حاملة الطائرات أبراهام لينكولن المتمركزة في مياه الخليج، ونقلت الولايات المتحدة في وقت سابق قاذفات بي 52 الاستراتيجية إلى قواعدها العسكرية في قطر، وتقول وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) إن هذه الخطوة تأتي ردا على مخاطر عمليات عسكرية إيرانية محتملة ضد القوات الأمريكية في المنطقة، فضلا عن أعلان الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” الجمعة الماضية أمر بإرسال 1500 جندي إضافي إلى الشرق الأوسط لأغراض الحماية .
كل هذه التطورات التي قامت بها الإدارة الامريكية قد جوبهت بفتور ورفض أحيانا من الأوساط السياسية الامريكية ، لاسيما جماعات الضغط وعدد من النواب، وأيضا الصحافة الامريكية ومراكز الدراسات التي تطرح اسئلة عن النهاية لتلك التطورات السياسة والعسكرية، كما سال عنه (Philip H. Gordon) في مقال (A Path to War With Iran) نشرته مجلة (Foreign Affairs)، وبالرغم من ذلك يبدوا مسلك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب واضح من تاريخ التعامل مع الملفات بعد توليه ادارته ، حيث يستخدم العصا او اللكمة المباشرة حتى يجلس للتفاوض ، ويخرج بنتيجة يعتبرها رصيد إيجابي للتجديد الرئاسي او النصفي حسب قناعته او مسلكه السياسي ، لا ننسى ان الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قد صرح بوضوح انه ليس لديه نية او رغبة بالحرب على ايران او إزاحة النظام الإيراني، بل يرغب بالجلوس للطاولة مع ايران .
السوط الايراني
عملت ايران طيلة العقود الماضية على استثمار المواقف، والعمل ببرغماتية عالية، بعيدا عن الشعارات المرفوعة لدى وكلائها، واستطاعت ان تمدد امبراطوريتها إقليميا في المشرق العربي المتهالك الى المتوسط غربا وهرمز وخليج عمان جنوبا وليبراليا الى البحر الأحمر، بعد ضربة الدومينو العربي الذي بدأت بغزو العراق 2003 وازمات سوريا 2011 واليمن 2012 ، حتى أصبحت تحتكم على عناصر الجيوبولتيك والقوة اللامتماثلة في اربع دول عربية ، كانت تعد محاور جيوسياسية فاعلة، لتفرض امر واقع مقبول لدى أمريكيا ودول أوربا فضلا عن الدول الكبرى الصين وروسيا، ناهيك عن غالبية الدول العربية.
تعتمد ايران في مشوارها الامبراطوري على سياسات متعددة، وتلعب السياسة بشكل محترف، وتستخدم أوراق الضغط وفقا للتوقيتات الحرجة، وتصنع الاحداث عند الضرورة ، وتخلط الأوراق نظرا لما لديها من موارد صلبة عابرة للحدود، كما وتستطيع تغيير المواقف باستخدام الكعكة والسوط الإيرانية ، وخلال التطورات الأخيرة صعدت ايران لغة القوة وشغلت ماكينتها الإعلامية واستعراض القدرة العسكرية، كما واستخدمت اوراقها الإقليمية بمنتهى الذكاء ، حيث صعدت في اليمن عبر عمليات الحوثيين في الضالع والتعرض لعدن واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة ضد السعودية ، فضلا عن الاستهداف للناقلات في المياه الإقليمية بالفجيرة ، فضلا عن التصعيد ضد إسرائيل من خلال حماس، وكذلك الاحتكاك الغير مباشر في العراق من خلال ضرب السفارة الامريكية عبر وكلائها، كل تلك الرسائل يصاحبها الحراك الدبلوماسي للعجلة الدبلوماسية الإيرانية، حيث زار وزير الخارجية الإيراني “جواد ظريف” العراق وانتزع موقف رسمي من الحكومة العراقية بالوقوف لجانب ايران ، فضلا عن توجه نائبه الى الدول العربية الخليجية بدء من عمان والكويت وقطر، اذ نشهد حاليا التلويح بالسوط الإيراني خلال الأسابيع الماضية ، مع عرض الكعكة الإيرانية من خلال عرض اتفاقيات عدم اعتداء وتوافق مع دول الخليج .
الجلوس على الطاولة
يبقى قرار الحرب في المنطقة مستبعدا، نظرا للمناخ السياسي والحربي، فضلا عن عدم توفر قرار الحرب او النية والاستعداد الأمريكي ، اذ ان حركة بضع أسلحة استراتيجية وجنود لا يعني ان هناك قرار حرب ، لاسيما ان الشرق الأوسط المتهالك الذي يعج بالفوضى المسلحة والتفكك السياسي، يعد مجال حيوي مشترك للعالم وخصوصا الولايات المتحدة، وكذلك ايران ، فضلا عن انه سوق نفطي وعسكري وامني للشركات المتعددة الجنسيات ، وأيضا ايران ترفع الاستعداد ولكنها تتفادى الحرب بالرغم من الشعارات الرنانة لقادة الحرس الثوري والوكلاء الاقليمين ، وحتى الرسائل الصلبة التي استخدمتها ايران في الخليج والمتوسط الغرض منها الردع المتبادل واستعراض التأثير في المنطقة ، واجد من الصعب اشعال فتيل الحرب رغم ارتفاع صوت ضربة العصا الامريكية وضجيج السوط الإيراني ، فسيتم بالأخير الجلوس على الطاولة ، وتعود ايران اكثر قوة من ذي قبل ، ويحقق بنفس الوقت ترامب هدفه ، مالم يحدث احتكاك غير مقصود ليشعل حربا غير محسوبة .
خبير استراتيجي*
‏27‏ أيار‏، 2019

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.